إن الله تعالى لما اقتضت حكمته - وهو الحكيم العليم الذي يضع الأمور مواضعها اللائقة بها - قصر أعمار هذه الأمة ومجيئها في آخر الزمن، جعل لها من العبادات الحولية ومواسم الطاعات الفصلية والتي يجتمع للعامل فيها - غالبًا - شرف العبادة مع شرف الزمان، وقد يتوج ذلك بشرف المكان فيجتمع لها فيها عظم أجر العبادة لجلالة الطاعة مع مضاعفة المثوبة لشرف الزمان أو المكان، وتيسير لهم من أسباب وضع الأوزار، والعتق من النار ما ينالون به مع قصر أعمارهم فضل أجر العاملين من الأمم المتقدمة مع مشقة العبادة وطول العمر في الطاعة.
يدل على ذلكم عباد الله المثل الذي ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشأن لهذه الأمة مع الأمم الأخرى مقارنًا أجر العبادة بالزمن المضروب للأمة فقال - صلى الله عليه وسلم:"مثل اليهود كمثل رجل استأجر أجيرًا من الغداة إلى الظهر، فوفى في عمله فأعطاه أجره، ومثل النصارى كمثل رجل استأجر أجيرًا من الظهر إلى العصر فوفى عمله فأعطاه أجره، ومثل هذه الأمة كمثل رجل استأجر أجيرًا من العصر إلى غروب الشمس فوفى عمله، فأعطاه أجره ومثل أجري صاحبيه"، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.
معشر المسلمين:
من هذه المواسم الخيرة المباركة التي تقع فيها عبادات حولية رمضان وعشر ذي الحجة، فإنه يجتمع لأهل الإسلام في هذين الموسمين من جليل الطاعات، ومتنوع القربات مع شرف الزمان أو شرف المكان ما تعظم معه الأجور، وتجزل فيه العطايا ما تكثر به أعمالهم، وتتنوع فيه أجورهم فيدركون في أيام قلائل ما يدركه السابقون في أعمار طويلة وعبادات شاقة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
معشر المؤمنين: