وكم من جمعةٍ تَطوِي الملائكة فيه صحفها ولم تسجل فيه من السابقين إلا القليل، ومعظمهم ممَّن هو كمهدي البيضة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذا الزهد في الأجر؟ وما هذه الغفلة عن عظيم الذخر؟ ألم يبلغهم قوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (( مَن غسَّل يوم الجمعة واغتَسَل، وبَكَّر وابتَكَر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستَمَع ولم يلغُ كان له بكلِّ خطوةٍ عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) )؟ ألم يعلموا قوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (( لو يعلَمُ الناس ما في النِّداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلاَّ أنْ يستَهِموا عليه لاستَهمُوا ) )؟ ألم يعلَمُوا أنَّ الناس في المنازِل في الجنَّة على قدْر تَبكِيرهم إلى الجمعة؛ فزيادة الفضل وعظيم الأجر ومزيد القرب من الله - تعالى - بحسب نصيبهم من الصُّفوف.
أيها المسلمون:
تنافَسوا - رحمني الله وإيَّاكم - في هذا الخير العظيم الذي جعَلَه الله في يوم الجمعة لِمَن استنَّ بسنَّة النبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في ذلك، فنَظِّفوا أبدانَكم، والبسوا من أحسن ثيابكم، واستاكوا وتطيَّبوا من طِيبِكم، وبكِّروا إلى الجمعة بسكينةٍ ووَقار، وتَنافَسوا في الصفِّ الأوَّل ثم الذي يَلِيه دون أنْ تؤذوا أحدًا من إخوانكم، وصلُّوا من النوافل ما كتَب الله لكم، وأَكثِرُوا ذكرَ الله وتِلاوَةَ كلامِه وأنواع ذِكرِه، واسألوه - سبحانه - المزيدَ من فضله، والتَزِمُوا الأدبَ النبوي والنهجَ المحمدي، تكونوا من السابقين إلى الخيرات، الفائزين بأعلى الدرجات؛ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] .
وإيَّاكم والتخلُّف عن هذا الخير، والتهاوُن بتلك السنن؛ ففي الصحيح: (( لا يَزال أقوامٌ يتأخَّرون حتى يُؤخِّرهم الله ) ).