{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45] .
ولهذا أكثَرَ ربُّنا - عزَّ وجلَّ - من التذكير بنِعَمِه، مُبيِّنًا كثرتها، ومُعظِّمًا لها، وممتنًّا على العِباد بها، ومُنبِّهًا على كبارها وجَلائلها، ومُعدِّدًا لهم أصنافَها ولطافها؛ تذكيرًا لنا بحقِّها، وإغراءً لنا بشُكرِها، وتحذيرًا لنا من استِصغارِها واحتِقارها أو نسبَتها إلى غير مُسدِيها ومُولِيها، وزجرًا لنا عن الغَفلة عن واجب حقِّها من جحودها وكفرها، وكم أبدَى - سبحانه وتعالى - بذِكرِ حال ومَآل مَن ذكَر وشكَر، ونبَّه على شُؤمِ عاقبة مَن جحَد وكفَر، من السالِفين الغابِرين، والمُعاصِرين الحاضِرين؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .
عباد الله:
اشكُرُوا نِعَمَ الله عليكم، فشُكرُها أمنٌ من زَوالِها، وسببٌ لازدِيادها ونمائها، وذلك بأنْ تتصرَّفوا بها حسب مَراضِيه، وتقيدوها بصَرفِها في حدود ما أذن فيه، بلا بطَر ولا أشَر، وبدون استعلاء ولا تكبُّر، واحذروا صرفَها في الفساد والشر فتجعَلُوا نعمَ الله لدَيْكم سُلَّمًا للشهوات المحرَّمة، ولا تبذلوها في تجاوُز الحدود في الأمور المباحَة؛ فإنَّ الشكر لنِعَم الله يتحقَّق بصَرفِها في طاعته من غير سرفٍ ولا خُيَلاء؛ {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .