الرحمة بمستحقِّها سَجيَّةٌ كريمة، وعبادة عظيمة، جعل الله - تبارك وتعالى - ثوابَها رحْمته للرحيم بخلْقه في الدارين وحُسْن جزائه للمحسنين، ومن أصناف أهل الجنة رجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قُربى ومسلم.
أيها المسلمون:
ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمني، ولكنَّه ما وقَر في القلوب وصدَّقته الأعمال، وإن من دلائل صِدق الإيمان، ومحبة الملِك الدَّيان، الرحمةَ بمستحقها على وجه الإحسان؛ طمعًا في رحمة الرحمن، فنِعم البرهان على الإيمان، ونِعم السبب الموصل إلى رحمة الكريم المنان، فتراحَموا يَرحمكم الرحمن.
معشر المسلمين:
الرحمة وصْف وفِعل تردَّد ذِكره في القرآن؛ يذكُره الرحمن على وجه التسمِّي به، ونعَت نفْسه به، وإنه تعالى يَرحَم برحمته من يشاء من خَلْقه، حتى جاوز ذِكره ثلاثمائة مرة، وفي ذلك حض المُخاطَبين واللاحقين أولي الألباب على التحلي بالرحمة والمبادَرة بها، برحمة مستحقِّها عند وجود مناسبتها ومقتضيها، على الوجه الذي هدى الله تعالى إليه في مُحكَم الكتاب، وبيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صحَّ عنه من خِطاب؛ طمعًا في واسع الرحمة وكريم الثواب، وكم في ذلك من تذكِرة لأولي النُّهى والألباب.
معشر المؤمنين:
مَن رحِمه الله صرَف عنه العذاب، ومن رحِمه الله هداه للحق المختلَف فيه في الكتاب، ومن رحِمه الله لم تأمُره نفْسه بالسوء، ومن رحِمه الله غفَر له وعفا عنه ونصَره، ومن رحِمه الله ثبَّته الله على هداه، ووفَّقه لما فيه رضاه، ومن رحِمه الله لطَف به عند الشدائد، وأكرَمه بكريم العوائد، ومَن رحِمه الله علَّمه ما ينفعه ونفَعه بما علَّمه، ووفَّقه للعمل بعمَله على الوجه الذي يُعلي مقامه، ويُنيله به إكرامه، ومن رحِمه الله أجارَه من النار، وأورَثه الفردوس الأعلى مع الأخيار؛ فارحَموا ولا تَقْسُ قلوبُكم؛ فتَشقَوا وتُحرَموا.
أيها المؤمنون: