وأخرج الإمام أحمد بإسنادٍ رواته ثِقات والبزار عن سعيد بن زيد رضِي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «من أربى الربا الاستطالةُ في عِرضِ المسلم بغير حقٍّ، وإنَّ هذه الرَّحِم شِجنَةٌ من الرحمن؛ فمَن قطَعَها حرَّم الله عليه الجنَّة» [5] .
وأخرج أبو يعلى بسندٍ جيِّد عن رجلٍ من خَثعَم قال: أتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفرٍ من أصحابه فقلت: أنت الذي تزعُم أنَّك نبيٌّ؟! قال: «نعم» ، قلت: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: «الإيمانُ بالله» ، قلت: يا رسول الله، ثم مَه؟ قال: «ثم صلة الرَّحِم» ، قلت: يا رسول الله، أيُّ الأعمال أبغَضُ إلى الله؟ قال: «الإشراك بالله» ، قلت: يا رسول الله، ثم مَه؟ قال: «قطيعة الأرحام» [6] .
ففي الحديثِ التنبيهُ على أنَّ صلة الرَّحِم من أحبِّ الأعمال إلى الله؛ لأنها من آثار التوحيد؛ ولذلك قُرِنَتْ به في الذِّكر، وعلى أنَّ قطيعة الرَّحِم من عَلامات نقصِه؛ ولذلك ذُكِرَتْ بعد الشِّرك الذي هو أكبر الكبائر وأعظم الفَساد في الأرض.
ولذلك لَمَّا بيَّن صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح أنَّ صلة الرَّحِم شِجنَةٌ من الرحمن، وأنَّ مَن وصَلَها وصَلَه الله، ومَن قطَعَها قطَعَه الله، قال: «اقرؤوا إنْ شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22، 23] » .
وكفى بذلك بَيانًا لشأن صِلَةِ الرَّحِم، وتَنبِيهًا على مَنزِلتها من الدِّين، وحَثًّا على صِلَتِها، وتَنفِيرًا من قَطِيعتها، وتحذيرًا من عدم الاكتِراث بها، والله المستعان.
[1] أخرجه البخاري (3) ، ومسلم (160) .
[2] جزء من حديث أخرجه البخاري (7) .
[3] جزءٌ من حديثٍ أخرَجَه البخاري (6138) .