اتَّقوا الله - تعالى - واتلوا كتابَه، واعملوا بطاعته وارجوا ثوابَه، وجنبوا معصيته تأمَنُوا عقابَه، وداووا بكلامه أمراضَ قلوبكم، وزِنُوا به أعمالَكم، فاجعَلُوه لكم إمامًا ونورًا، ولا تتَّخِذوه مهجورًا.
عباد الله:
إنَّ كثيرًا من الناس انشغَلُوا عن تعلُّم القرآن؛ فالكبار انشغلوا عنه بجمع الحطام، واستبدَلُوا به القيلَ والقال، ونحو ذلك من رَدِيء الكلام الذي يُفسِد القلوب، ويعمي الأبصار، ويجلب على صاحبه في الدارين أنواع الخيبة والخسار والصغار، انشغَلُوا عنه بالدارسة النظاميَّة التي غالبًا لا تُعطِي القرآن ما يستحقُّ من الوقت والعناية، فضلًا عن أنْ تربِّيهم على أنْ يطلبوا الأجر والهداية، وأنْ يتخلَّقوا به في سائر الأحيان، ويُعلِّموه لِمَن لم يتعلَّمه من بني الإِنسان، فكثيرٌ منهم لا يَرفَعون به رأسًا، ولا يعتَنُون به درسًا، ولا يهتمُّون له عند الامتِحان، كغيرِه من العلوم التي هي من اختراع الإِنسان، بل تعوَّدوا أنهم به ناجحون، ولو كانوا به يَتهاوَنون، وهذا ممَّا أضعَفَ أثَرَه في النُّفوس، كما ضعف شأنُه من بين الدروس، وبقيَّة وقتهم مُضَيَّع في الشوارع وأماكن اللهو؛ ممَّا أدَّى إلى جهْلهم بالقرآن، وحرمانهم ممَّا فيه من الهدى والبيان.
وكم من شخصٍ يَحمِل أعلى المؤهِّلات، ويَشغَل وظيفةً كبيرةً في المجتمعات، وهو لا يُحسِن تلاوةَ ما يحتاج إليه منه في الصلاة، فضلًا عن أنْ ينتَفِع بمواعظه وبَيانه؛ ممَّا جعَلَه الله ثقلًا على نُفُوس الكثيرين حتى لا يتلوه إلاَّ في مناسبات معيَّنة محدودة، وهم في ذلك غير مُقبِلين، فكان الأمر عند الكثيرين كما قال - تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] .