ومن القدوة الصالحة المحمودة اقتِداء الذريَّة بالآباء الصالحين فيما هم عليه من الصلاح والاستقامة، فإنَّ ذلك من أسباب رفعة الدرجة وجمْع الشمل في الجنة؛ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21] .
فأخبر - سبحانه - عن فضْله وكرمه ولطْفه بخلْقه وإحسانه إليهم أنَّ المؤمنين إذا اتَّبعَتْهم ذريتهم بالإِيمان يلحقهم الله بآبائهم في المنزلة وإنْ لم يبلغوا عملهم؛ لتقرَّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في مَنازِلهم؛ فيجمع - سبحانه - بينهم على أحسن الوجوه بأنْ يَرفَع مَن هو أقلُّ عملًا وأدنى درجةً إلى قريبه الذي هو أعظم عملًا وأعلى منزلة، كما قال - تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23 - 24] .
فالاقتِداء الحسن والاتِّباع الصالح المحمود في الدنيا والآخِرة إنما يكون من اللاحق بالسابق في الإِيمان بالله والعمل الصالح الذي يحبُّه ويَرضاه، والخلق الجميل الذي مدَحَه الله كما قال - سبحانه - عن يوسف - عليه السلام - أنَّه قال: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [يوسف: 37 - 38] .