فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 1601

فإنَّ أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلَح من زيَّنه الله في قلبه، وأدخَلَه الإِسلام بعد كُفرِه، وحبَّب إليه القرآن، واختارَه على ما سِواه من أحاديث الناس، إنَّ أحسن الحديث وأبلَغَه كتاب الله، أحبُّوا مَن أحبَّ من كلِّ قلوبكم، ولا تملُّوا كلامَ الله وذِكره، ولا تَقسُ عنه قلوبُكم، واعلَمُوا أنَّ الدنيا دار بلاء، ومنزل ظعنة وعَناء، قد نزعت عنها نفوس السُّعَداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقِياء، فأسعَدُ الناس بها أرغَبُهم عنها، وأشقاهُم بها أرغَبُهم فيها، هي الفاتنة لِمَن انتصَحَها، والمغرية لِمَن أطاعَها، والخائبة لِمَن انقادَ إليها، الفائر مَن أعرَضَ عنها، والهالك مَن رَغِب فيها، طُوبَى لعبدٍ اتَّقَى فيها ربَّه، وناصَح نفسَه، وقدَّم توبتَه، وأخَّر شهوته، من قبل أنْ تلفظه الدنيا إلى الآخِرة؛ فيُصبِح في بطن مُوحِشة عَفراء، مدلهمَّة ظَلماء، لا يستَطِيع أنْ يزيد في حسنةٍ، ولا ينقص من سيِّئة، ثم يُنشَر فيُحشَر، إمَّا إلى جنَّة يَدُوم نعيمها، أو إلى نارٍ لا ينفد عَذابها.

فما لنا فيها أيُّها الناس؟! كأنَّ الموت فيها على غيرنا كُتِب، وكأنَّ الحق فيها على غيرنا وجَب، وكأنَّ الذين نُشيِّع من الأموات سفر كما قليل إلينا راجِعون، بيوتهم أجداثُهم، ونأكُل تراثَهم كأنَّا مخلَّدون بعدهم، قد نسينا كلَّ موعظة، وقد أَمِنَّا كلَّ جائحة، طُوبَى لِمَن شغَلَه عيبُه عن عيوب الناس، طُوبَى لِمَن أنفَقَ من مالٍ اكتسَبَه من حَلال في غير معصية، وجالَس أهلَ الفقه والحِكمة، وخالَط أهلَ الذلِّ والمَسكَنة، طُوبَى لِمَن ذلَّت نفسُه، وحسُنَت خَلِيقَته، وطابَتْ سَرِيرَته، وعزَل عن الناس شرَّه، وأنفَقَ الفضلَ من مالِه، وأمسَكَ الفَضلَ من قوله، ووسعَتْه السُّنة، ولم تستَهوِه البدعة.

أيُّها الناس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت