جعل الله فيه بركة؛ فهو وإن كان دونهم في العلم؛ فقد حصل على يديه من النفع التعليمي والديني ما لم يحصل على يد غيره، وقد انحاز إلى بعض أقطار المملكة؛ فهدى الله به ذلك القطر وانتقلوا إلى مذهب السلف، وكثر فيهم أهل العلم؛ فالعلم إذا جعل الله فيه بركة ترتب عليه خير كثير، وهذا الخامس من أكبر الدعاة إلى الله وإلى دينه، فتجب مؤازرته ومناصرته والثناء عليه والذب عنه، كما يجب ذلك لهؤلاء الأربعة ولغيرهم من علماء المسلمين.
ثم إياك يا أخي أن تسمع بأحد منهم قدحًا أو انتقادًا إلا رددته ونصحت المعترضَ وبينت له مقاماتهم العالية، ولا يغرنك ترك أكثر الناس لمراعاة هذا الحق الذي هو آكد حقوق المسلمين، وبه يحصل للعبد من الخير والثواب ويحصل به من المصالح الخاصة والعامة شيء كثير.
وهذا الجواب الذي ذكرته وإن كان موضوعه هذا القطر الذي وقع عليه السؤال وهذا الوقت الذي لأجله سيق السؤال؛ فهو شامل لجميع علماء الأقطار ممن عرفوا بالعلم والدين، وشامل أيضًا لجميع
الأزمنة، وأول وأولى ما يدخل في هذا الدعاء: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] ، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] أول وأولى من يدخل في ذلك علماء
المسلمين في كل زمان ومكان، كما أن أوصاف الخير والكمال وأحكام الثواب أولى من يدخل فيها وتنطبق على أهل العلم والإيمان؛ فهم الغاية في كل فضيلة، وهم الهداة المرشدون إلى كل خير.
فائدة (112)
[معنى حديث: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» ]
دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم لابن عباس رضي الله عنهما: «اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل» [1] يظن كثير من الناس أنهما مترادفان معناهما واحد، وليس الأمر كذلك؛ فإن الفقه في الدين: التفقه في أصوله وفروعه وأحكامه المتنوعة، ومعرفة الشرائع الكلية، وأما معرفة التأويل؛ فهي أخص من ذلك؛ فهي التمكن من إدخال الوقائع والجزئيات والمعينات في الشرعيات الكلية وتطبيقها عليها، فإذا أخبر الله ورسوله بخبر عن وقوع بعض الحوادث؛ فالفقه في الدين معرفة ذلك واعتقاد مدلوله، وعلم التأويل إذا وقع ذلك الحادث تمكن العالم من إدخاله في ذلك الخبر وعلم أنه هو المراد؛ فيزداد بذلك علمًا وإيمانًا، وكذلك إذا حكم الله ورسوله بحكم أمر أو نهي أو إباحة؛ فالفقه في الدين هو معرفة ذلك الحكم ومعرفة المراد منه، والتأويل تطبيق الجزئيات والأعيان على الكليات، ومعرفة تفاصيل
(1) ـ أخرجه: أحمد (2396) ـ وصححه أحمد شاكر ـ، والفسوي في"المعرفة والتاريخ" (1/ 494) .
ورواه البخاري (75 و 143) بلفظ:"اللهم! علمه الكتاب".