لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20] الآية.
الثانية: لذة لا تعقب ألمًا أكبر منها ولا تفوت لذة أكبر منها، وهي لذات الغافلين المباحة التي لا يستعينون بها على الخير ولا ينوون القيام بالواجب.
الثالثة: لذة يثاب العبد عليها، وهي لذة خواص المؤمنين الذين يتمتعون بها على وجه القيام بواجب النفس وعلى وجه الاستعانة بها على طاعة الله، وعلى وجه الانكفاف بها عن معاصي الله.
وبهذه المقاصد الجليلة تكون من قسم الطاعات، وهي التي قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» [1] ، وقال فيها: «وفي بضع أحدكم صدقة» . قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» [2] ؛ فبين في الحديث أن التمتع بهذه الشهوات على وجه الحمد لله والاعتراف بفضله وقصد الانكفاف بها عن الحرام أجر وثواب عند الله؛ فلّله الحمد على منته.
فائدة (137)
[أنواع الاحتجاج بالقدر]
الاحتجاج بالقدر على الشرك والكفر وأنواع المعاصي احتجاج باطل؛ لأنه يدفع به أمر الله ورسوله ويعتذر به عن معاصيه لله، وذلك أكبر الظلم والجهل والضلال، وكذلك احتجاج العبد بعد وقوع ما يكره بأن يقول: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا؛ فإنه قالٌّ على الله وتكذيب لقدره الواقع لا محالة.
وأما الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به والتوحيد لله والتوكل عليه والنظر إلى سبق قضائه وقدره؛ فهو محمود مأمور به.
وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية؛ فإنه يوجب للعبد شهود منّة الله عليه بسبق قدره وإحسانه، وكذلك إذا فعل العبد ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه، ثم لم يحصل له مراده بعد اجتهاده؛ فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره كان محمودًا نافعًا للعبد مريحًا لقلبه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإذا غلبك أمر؛ فقل: قدر الله وما شاء فعل» [3] .
وكذلك إذا احتج به بعد التوبة من الذنب ومغفرة الله له على وجه الإيمان به؛ كان حسنًا، كما حجَّ آدمُ موسى صلى الله عليهما وسلم [4] .
(1) ـ أخرجه:"مسلم" (2734) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) ـ كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، أخرجه: مسلم (1006) .
(3) ـ أخرجه مسلم (2264) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) ـ كما في:"صحيح البخاري" (6614) ، و"مسلم" (2652) ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه.