فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم اشتركوا بأن الله أرسلهم، وأنعم بهم على العباد نعمةً لا يصلح دينهم ودنياهم وآخرتهم إلا بها، وأن كل واحد منهم أيد بآيات بينات تدل دلالة قطعية أنه رسول الله، وأن ما جاء به حق.
واشتركوا أيضًا بأن الدين واحد أصله الذي يدعون إليه من توحيد الله والإيمان به ومن العدل بين العباد على اختلاف الأحوال بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال، وأن قمع المعتدين مشروع أيضًا في كل شريعة شرعها الله على ألسنة رسله، وهذا من أعظم البراهين على صدقهم؛ فإنهم أتوا كلهم بأصول الخير والعدل وثواب المحسنين وعقوبة المعتدين؛ فدعوتهم واحدة، ودينهم واحد، وكلهم يُصدِّق بعضهم بعضًا، ويوافق بعضهم بعضًا.
ثم ذكر ما في الحديد من المنافع العمومية والخصوصية؛ فإن منافع الحديد لا يمكن تعدادها ولا حصرها وخصوصًا في هذه الأوقات؛ فإنه ما قامت المخترعات والصناعات العظيمة إلا بالحديد، وذلك من أكبر نعم الله على عباده التي يجب عليهم شكرها، ولكن أكثر الخلق كافرون بها غير معترفين بها، ومن كانت هذه حاله؛ فالمنافع التي حصلت له استدراج من الله وحجة عليه.
وقوله: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} هذا بيان لكمال حكمته في ابتلاء العباد بعضهم ببعض، وأنه مع قوته وقدرته على نصر المؤمنين نصرًا مستمرًّا اقتضت الحكمة أن يبلو بعضهم ببعض، ويتضح حال المؤمن الصادق الذي ينصر الله ورسوله بالغيب ممن ينقلب على