فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 274

يحصل بذلك من مصلحة الغير؛ كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة.

وإذا كان كثير من أهل العلم يجوزون بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه، ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك؛ فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف، بل ولا مرض، وربما كان في ذلك نفع له إذا كان المؤثر قريبًا أو صديقًا خاصًّا أو صاحب حق كبير أو أخذ عليه نفعًا دنيويًا ينفعه أو ينفع من بعده؟!

ويؤيد هذا أن كثيرًا من الفتاوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والتطورات، وخصوصًا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار، ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث له أثره الأكبر في هذه الأمور كما هو معلوم مشاهد، والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء، وأمر بالتداوي [1] خصوصًا وعمومًا، فإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا ووضعه في الآخر من غير ضرر يلحق المأخوذ منه؛ فهو داخل فيما أباحه الشارع؛ وإن كان قبل ذلك وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر.

فيراعى كل وقت بحسبه، وبهذا نجيب عن كلام أهل

العلم القائلين بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها وتحريم

التمثيل بها؛ فيقال: هذا يوم كان ذلك خطرًا وضررًا، وربما أدى إلى

الهلاك، وذلك أيضًا في الحالة التي يهتك فيها بدن الآدمي وتنتهك حرمته، فأما في هذا الوقت؛ فالأمران مفقودان: الضرر مفقود بوجه، وانتهاك الحرمة مفقود؛ فإن الإنسان قد رضي كل الرضى بذلك، واختاره. وبذلك [ (38) ] مختارًا [2] مطمئنًا لا ضرر عليه ولا سقوط شيء من حرمته، والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفًا له وتكريمًا، والحالة الحاضرة غير الحالة الغابرة، ونحن إنما أجزنا ذلك إذا كان المتولي لذلك طبيبًا ماهرًا وقد وجدت تجارب عديد للنفع وعدم الضرر؛ فبهذا يزول المحذور.

ومما يؤيد ذلك ما قاله غير واحد من أهل العلم؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم: أنه إذا أشكل عليك شيء: هل هو حلال،

أو حرام، إما مأمور به أو منهي عنه؛ فانظر إلى أسبابه الموجبة

وآثاره ونتائجه الحاصلة، فإنْ كانت منافع ومصالح وخيرات وثمراتها طيبة؛ كان من قسم المباح أو المأمور به، وإنْ كان بالعكس؛

كانت بعكس ذلك؛ فطبق هذه المسألة على هذا الأصل، وانظر

أسبابها وثمراتها؛ تجدها أسبابًا لا محذور فيها، وثمراتها خير

الثمرات. وإذا قال الأولون: أما ثمراتها؛ فنحن نوافق عليها، ولا

يمكننا إلا الاعتراف بها، ولكن الأسباب محرمة كما ذكرنا أن

الأصل في أجزاء الآدمي التحريم، وأن استعمال الدم استعمال للدواء الخبيث؛ فقد أجبنا عن ذلك بأن العلة في تحريم الأجزاء إقامة حرمة

(1) ـ انظر: «زاد المعاد» لابن القيم (4/ 13) ؛ فقد ذكر فصلًا نافعًا في الأمر بالتداوي.

(2) ـ كذا في الأصل. ولعل الصواب: «وبذله» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت