فلا يشاركُهُ فيه المعنى الآخرُ، وليس الماءُ الدافقُ بمعنى المدفوق، بل هو فاعلٌ على بابه، كما يقال:"مَاءٌ جَارٍ"فـ"دافقٌ"كـ"جارٍ"فما الموجب للتكلُّف البارد؟ ! وأما"عيشة راضية"، فهي عند سيبويه على النسب، كـ"تامِرٍ ولابِنٍ"أي: ذات رضى، وعند غيره كـ"نهارٍ صَائِمٍ وليْلٍ قَائِمٍ"على المبالغة.
والقول الثاني: إنَّ:"مَنْ رَحِمَ"فاعلٌ لا مفعول، والمعنى:"لا يَعْصِمُ اليومَ مِنْ أمْرِ الله إلا الراحمُ، فهو [1] استثناءُ فاعل من فاعل، وهذا وإن كان أقلَّ تكلُّفًا، فهو أيضًا ضعيف جدًّا، وجزالة الكلام وبلاغتُه تأباه بأوّل نظر."
والقول الثالث: إن في الكلام مضافًا محذوفًا قام المضافُ إليه مقامَهُ، والتقدير:"لا معصومَ عاصمٍ اليومَ مِنْ أمر الله إلا مَنْ رحِمَهُ الله"وهذا من أنكر الأقوال وأشدِّها منافاة للفصاحة والبلاغة [2] ، ولو صرّح به لكان مستغثًّا! .
المثال الرابع: قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] فهذا من الاستثناء السَّابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه، فهو غيرُ داخل فيه، فمن لم يشترطِ الدُّخولَ فلا يقدِّر شيئًا، ومن قال: لابُدَّ من دخوله قَدَّر دخولَهُ في مضمون الجملة الطَّلَبيَّة بالنَّهي، لأن مضمونَ قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] الإثم والمؤاخذة، أي أنَّ الناكِحَ ما نكحَ أبُوهُ آثِمٌ مُؤَاخَذٌ، إلا ما قد سَلَفَ قبلَ النَّهيِ وإقامَةِ الحُجَّة، فإنه لا
(1) (ق وظ) :"فهذا".
(2) (ظ) :"مناقضة للفصحاء والبلغاء".