اللُّغة، وقد تقدَّم بيانهُ في هذا التعليق في مسألة (كِلا وكِلْتا) [1] ، وإن قولهم:"كلاهما قائمٌ"بالإفراد لا يدُلُّ على أن (كلا) مفردٌ كما ذهب إليه البصريون، بل هو مثنّى حقيقة، وإنما أفردوا الخبرَ للدلالة على أن الإخبار عن كلِّ واحد منهما بالقيام، وقد قرَّرنا ذلك هناك بما فيه كفاية.
فصل
المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصِّفَة مقامَهُ، كأنه قال:"إن رحمةَ الله شيءٌ قريبٌ من المحسنين"، أو"لطفٌ قريبٌ"، أو"بِرٌّ قريبٌ"، ونحو ذلك، وحَذْف الموصوف كثير، فمنه قول الشاعر [2] :
فامت تُبَكِّيْه على قَبْرِهِ ... مَنْ لِيَ مِنْ بَعْدِكَ يا عامرُ
تَرَكْتَنِي في الدَّار ذا عُرْبَةٍ ... قَدْ ذلَّ من ليس له ناصِرُ
المعنى: تَرَكتَنِي شَخْصًا أو إنسانًا ذا غُرْبَةٍ، ولولا ذلك لقالت: تَرَكْتَنِي ذَاتَ غُرْبَةٍ. ومنه قول الآخر [3] :
فلو أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي ... فِرَاقَكِ لم أبخَلْ وأنتِ صَدِيقُ
أراد: وأنت شخصٌ أو إنسان صديقٌ، وعلى هذا المسلك حَمَل سيبويه قولَهم للمرأة: حَائِضٌ وطَامِث وطَالِقٌ، فقال:"كأنهم قالوا:"
(1) انظر: (1/ 376) .
(2) أنشده ابن الأنباري في"الإنصاف": (2/ 507) وابن منظور في"اللسان": (4/ 608) بلا نسبة.
(3) أنشده الفراء كما ذكر ابن منظور في"اللسان": (13/ 30) بلا نسبةٍ، وهو من شواهد الزمخشري في"المفصل": (ص/ 395) ، وابن هشام في"المغني"رقم (38) ، وابن عقيل رقم (105) .