ما تقدمها وتقريره، فلا معنى لوصف الاشتقاق والانتقال [1] فيها أصلًا، وتسميتها"حالًا"تعبير نحوي اصطلاحي، وإلا فالعرب لم تقل: هذه حال، حتى يُقال: كيف سميتموها حالًا وهي وصف لازم، وإنما النحاة سموها: حالًا، فيالله العجب! أتكون تسميتهم الحادثة الاصطلاحية موجبة لاشتراط التنقل والاشتقاق! ! فلو سمَّاها مسمٍّ بغير هذا الاسم، وقال: هذه نصب على القطع من المعرفة إذا جاءت بعد معرفة، أكان يلزمه هذا السؤال؟ فقد بانَ لكَ ضعف ما اعتمده من الجواب، وبالله التوفيق.
عاد كلامه، قال [2] :"وأما قوله: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} [البقرة: 91] فقد حكموا أنها حال مؤكدة، ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل؛ لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى، وذلك نحو:"قم قائمًا"، و"أنا زيد معروفًا"، هذه هي الحال المؤكدة في الحقيقة. وأما: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} [البقرة: 91] فليست بحال مؤكِّدة؛ لأنه قال: {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91] وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق؛ إذ ليس من شرط الحق [أن يكون مصدقًا] [3] لفلان ولا مكذبًا له، بل الحق في نفسه حق وإن لم يكن مصدقًا لغيره، ولكن {مُصَدِّقًا} هنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} [البقرة: 91] وقوله: {وَهُوَ الْحَقُّ} جملة في معنى الحال أيضًا. والمعنى: كيف تكفرون بما وراءه وهو في هذه الحال؛ أعني: مصدِّقًا لما معكم، كما تقول:"لا تشتم [4] زيدا وهو أمير محسنًا إليك"؛ فالجملة حال،"
(1) من قوله:"بل التنفُّل ..."ساقط من (ظ ود) .
(2) "النتائج": (ص/ 397) .
(3) من"النتائج".
(4) كذا في الأصول و"النتائج"، ولو قال:"أتشتم"لَوَافق المعنى في الآية والتمثيل بعدها.