لمذكَّر، وهو الإحسانُ، فيفهم المقابلة المطلوبة. قالوا: ومن تأويل المؤنث بمذكَّر ما أنشده الفَرَّاء [1] :
وَقَائِعُ في مُضَرٍ تِسْعَةٌ ... وفي وائِلٍ كانَتِ العاشِرَهْ
فتأوَّلَ الوقائعَ وهي مؤنَّثَةٌ بأيام الحرب المذكَّرة، فأَنَّث العَدَدَ الجاري عليها، فقال: تسعة، ولولا هذا التأويل لقال: تِسْعٌ؛ لأن الوقائع مؤنثة، قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال:"جاءَتْهُ كِتابي"، أي: صَحِيفتي، وفي قول الشاعر [2] :
يا أيُّها الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ ... سَائِلْ بني أسَدٍ ما هذهِ الصَّوْتُ
أي: ما هذه [3] الصيحَة؟ مع أنه حَمْل أصلٍ على فرع، فَلأَنْ يجوزَ تأويل مؤنث بمذكر، لكونه حَمْل فرع على أصل أولى وأحرى، وهذا وجهٌ جيد، وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين:
أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه، لجاز أن يقال:"كَلَّمَتْنِي زَيدٌ، وَأَكْرَمَتْنِي عَمْرٌو، وكَلَّمَنِي هِنْدٌ، وأكْرَمَنِي زَيْنَبُ"تأويلًا لزيْدٍ وعمْرٍو بالنفس والجثة، وتأويلًا لهندٍ وزينبَ بالشخص والشَّبَح، وهذا باطلٌ [4] .
وهذا الاعتراضُ غيرُ لازم، فإنهم لم يدَّعواْ اطّرادَ ذلك، وإنما ادَّعوا أنه مما يَسُوغ أن يستعملَ، وفَرْق، بين ما يَسُوغُ في بعض الأحيان
(1) أنشده ابن الأنباري في"الإنصاف": (2/ 769) بلا نسبةٍ.
(2) هو: رُوَيشد بن كثير الطائي، كما في"حماسة أبي تمام": (1/ 102) .
(3) "ما هذه"من (ع) فقط.
(4) من قوله:"زينب، تأويلًا ..."سقط من (ق) وبياض في (ظ) .