فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 176

وأما إذا كان يتكلم على هذه القضية من خلال مسألة خلق أفعال العباد ونحو ذلك، فهذه من الشبهات العريضة التي لم يطلق السلف الصالح فيها تكفيرًا، وهذه طائفة من طوائف الضلال، وبعض العلماء يطلق عليها التكفير؛ باعتبار نسبة الخلق إلى المخلوقين، ولكن إطلاقهم في خلق العباد لأفعالهم أن هذا الخلق لهذا الفعل لا يجعلونه خلقًا منفردًا، وربما يجعلونه كسائر ما يتصرف به الإنسان من الكون، ولكن جملة من إطلاقات أئمتهم تجعل البون بين ما يفعله الإنسان ويتصرفه في ملكه كبناء دار ونحوه وما يتصرفه الإنسان في أفعاله، فقالوا: فعل الإنسان في ذاته هو خلق له منفك عن سائر تصرفه في الكون. فهذه الطائفة تقول بخلق العباد لأفعالهم، وهي من طوائف الكلام، والأشاعرة يعتقدون بها إلى اليوم. وأما الفرقة الأولى فهم غلاة القدرية الذين ينفون القدر وينفون علم الله جل وعلا، وينفون أيضًا أن الله عز وجل يخلق أفعال العباد من باب أولى. وسبق أن قلنا: إن القدر: هو ما يقدره الله عز وجل على عباده في اللوح المكتوب، وأما قضاء الله سبحانه وتعالى فهو تصرفه في الكون، من خلق فعل العبد وصرفه يمنة ويسرة، ورزقه الخير والشر وغير ذلك. ولهذا نقول: يجب أن يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر، والقدر: هو الأمر الماضي الذي يحدث على الإنسان، وتتباين درجة حدوثه بحسب الأفراد، وأما بالنسبة لقضاء الله جل وعلا فهو ما يقضي به الله سبحانه وتعالى حال وقوع الحدث. وبين القضاء والقدر عموم وخصوص, وهذا شبيه بما يذكره العلماء في مسألة الإسلام والإيمان, والفقر والمسكنة، فيقال: إذا افترقا اجتمعا، وإن اجتمعا اختلفا، أي: إن افترقا اجتمعا على المعنى الواحد، فكل واحد منهما يدل على الآخر, وإن اجتمعا فلكل واحد منهما دلالته على ما تقدمت الإشارة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت