الخبر، وهذا الحديث متوجه إلى المشركين الوثنيين، وليس في أهل الكتاب، وأما أهل الكتاب فيؤمرون بالدخول بالإسلام، فإن لم يقبلوا فالأمر لهم، وإذا كان المسلمون أقوى منهم فيأمرونهم بالجزية، وإن دفعوا الجزية فيخلى سبيلهم، أو يكون بينهم وبين أهل الإسلام عهد وميثاق، ومسألة العهد والميثاق يشترك فيها أهل الكتاب والمشركون. وأما الاستدلال بقول الله عز وجل: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] ، فإن هذا وعيد من الله سبحانه وتعالى، كقول الإنسان لغيره حين يبين له الطريق: هذا طريق الحق وهذا طريق الباطل، فإن شئت فاسلك أيهما شئت. أي: على سبيل الوعيد، والإنسان منا قد يكون لديه ابن أو خادم فيقول له: يجب عليك أن تعمل من الساعة الفلانية إلى الساعة الفلانية، فإن شئت فاعمل وإن شئت فلا تعمل. أي: أنك ستحاسب على هذا الوقت. وهذه المشيئة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى فسرها الصحابة بأن المراد بذلك هو الوعيد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء عند ابن ماجه وغيره: (الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فاحفظه أو ضيعه) ، يعني: هل أنت بالخيار في بر والدك؟ لا، ولكن المراد بذلك قد اتضح لك الحق فاسلك أيهما شئت، وهذا فيه إحالة إلى مشيئة العبد، وليس المراد بذلك رفع العقوبة عنه. وقد يقول بعض الناس لبعض الموظفين: دوامك من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة أو الثالثة أو الرابعة, فإن شئت فأت، وإن شئت لا تأتي. وهذا لا يراد منه إسقاط العقوبة، بل بين له الحق وأقام عليه الحجة، فإن وقعت عليه العقوبة فإنها تقع عليه على بصيرة. وقد جاء عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر في تفسير هذه الآية: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] ، قولهما: هذا وعيد من الله وليس مراشاة ولا محاباة، أي: ليس تخييرًا للإنسان.