أما بالنسبة للطائفة الثانية التي تقول: لا جهاد أصلًا باعتبار أنه لا يوجد أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، ولا مواجهة الناس بالقوة، وأن لكل أحد حرية الاعتقاد، فإن استدلالهم ببعض الأدلة كقول الله عز وجل: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] ، فنقول: المراد بذلك هو إكراههم على الدخول في الإسلام ممن كان من أهل الكتاب؛ لأنه قد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود وعند الإمام أحمد من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: (كان أهل المدينة تكون المرأة فيهم مقلاة -يعني: ما ولد لها يموت- ثم تحلف أو تنذر نذرًا أنها إن ولد لها ولد لتجعلنه في اليهود مسترضعًا، فكان من أبنائهم من كان في اليهود، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأمره الله عز وجل بإخراج اليهود من المدينة، فكان من أبناء الأنصار من تهود، فخرجوا مع اليهود، فقام الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون أبناءهم، فأنزل الله عز وجل عليه قوله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] ) ، وهذا لا يعني عدم وجود طريق ضلال وطريق حق؛ لأن الله عز جل قال بعد ذلك: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256] ، أي: قد بين الله عز وجل طريق الحق من الضلال، فإن شاءوا أن يؤمنوا فلهم الإيمان، وإن لم يشاءوا الإيمان فالأمر لهم على حدٍ سواء, وهذا في أهل الكتاب. أما المشركون فإنهم يقاتلون، وفرق بين أهل الكتاب والمشركين؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ... )