ومن يقول: (إن كلام الله مخلوق) فهو بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينفي الصفات ويجعلها معدومة, ويجعل لله جل وعلا ذاتًا بلا صفات، وإما أن يقول بأن صفات الله جل وعلا مخلوقة؛ لأن كلامه سبحانه وتعالى مخلوق، فالله سبحانه وتعالى ذكر في كلامه جل وعلا الصفات من السمع والبصر, والغضب والرحمة والحكمة، وغير ذلك مما هو معلوم، وكذلك الصفات الذاتية كصفة اليد، وصفة الساق، وغير ذلك مما جاء في كلام الله جل وعلا، وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يلزم من ذلك إما أن يقولوا بأن الصفات مخلوقة, وإما أن ينفوا هذه الصفات ليهربوا من لازم قولهم ذلك. ومعلوم أن كثيرًا من العقائد التي تطرأ في بدايتها فاسدة، فيلتزمون بها شيئًا فشيئًا حتى ينحرفوا عن الصراط المستقيم، وهذا ظهر عند المرجئة ابتداء, وظهر في الجهمية الذين قالوا بأن الله سبحانه وتعالى حينما أمر عباده بهذا الخطاب من التشريع: أن الناس مجبورون على ما هم عليه, ونفوا القدر، وقالوا: كيف يعاقب الله سبحانه وتعالى من جبره على ذلك؟ ونفوا المشيئة عن الناس، وقالوا: الناس كلهم يعبدون الله سبحانه وتعالى، وجعلوا أيضًا نفي العلو لله سبحانه وتعالى على عرشه, وأن الله جل وعلا حال في كل مكان، فهو حال في الجماد, وحال في الأرض, وحال في ذوات الناس، وقالوا: إذا تعبد الإنسان لصنم ووثن فهو يتعبد الله؛ لأن الله في كل مكان، إذًا هو يتوجه إلى الله.