ومن أعظم التناقض حينما يقول الإنسان: الإيمان قول واعتقاد، وعمل بالجوارح على حد سواء، ثم لا يكفر الذي يسجد لصنم حتى يرجعه إلى قلبه، فهذا من المتناقضات؛ لأنك إذا جعلته ركنًا للإيمان فاجعل نقضه منافٍ له. وهذه الطائفة ظهرت في بعض البلدان الإسلامية، وانتشرت في زماننا, والتزموا ببعض اللوازم الباطلة في هذا القول، وحينما نقول: إنهم يقولون بإيمان من أظهر التصديق بما في قلبه، فإنه يلزم من هذا إيمان أبي طالب، و أبو طالب صدق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحق, ولكنه ما فعل شرائع الإسلام, وما التزم بذلك قولًا, وما نطق بالشهادتين وأمر بها, وهذا يخرج عن حالتنا الأولى؛ وهي أننا إذا قلنا: إن الإنسان لم يتلفظ بالشهادتين غفلة، بخلاف الإنسان الذي نقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله وامتنع، فمثل هذا لا ينفعه وما نعلمه من صدقه, ولهذا أبو طالب يقول في نونيته في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أوسد في التراب دفينافاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منه عيوناودعوتني وزعمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أميناوعرضت دينًا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينالولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك يقينافقال: (عرضت دينًا) من خير أديان البشرية، وقال: (فاصدع بأمرك) ، (والله لن يصلوا إليك) وهذا كله من علامات التصديق لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وإيمان أبي طالب لا يختلف عن إيمان فرعون إلا بشيء من درجات التصديق في بعض القول, وكذلك من حميته لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا كان أخف أهل النار عذابًا؛ ولم يدخل في الإيمان؛ لأنه ما التزم بعمل الجوارح، لأنها هي الإيمان. إذًا نقول: الإيمان هو أربعة أركان: قول اللسان، قول القلب، عمل القلب، عمل الجوارح.