ثالثًا: إن هذا الحديثَ يدل على أن اللهَ - سبحانه وتعالى - أعطى لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - حق التشريع من عنده؛ تكريمًا وتعظيمًا له - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إن صيغة الحديث تدل على أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - له الحق أن يأمر هو بنفسه، لكنه لم يأمر أحدًا بالسجود لبشر.
إن قيل: إن السجود يجوز لبعض البشر في شرع المسلمين كما جاء في القرآن عن سجود الملائكةِ لآدمَ {:وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة 34) .
وسجود إخوة يوسف، وأبيه، وأمه ليوسف - عليه السلام - {: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} (يوسف 100) .
قلتُ: إن فهم هذه الآيات فهمًا صحيحًا يكون من وجهين:
الأول: أن السجودَ المذكور ليس سجود عبادة؛ بل هو سجود تكريم، و تعظيم، وتشريف.
وقال بعضُ المفسرين كالجلالين:"سجود انحناء لا وضع جبهة". اهـ
الثاني: أن هذا السجودَ في شرعِ من كان قبلنا؛ يسجد بعضهم لبعضٍ تكريمًا وتشريفًا ... أما في شرعِنا فلا يجوز، ومن المعلومِ أن شرعَ من كان قبلنا إذا خالف شرعنا فهو ليس بحجةٍ لنا، وبالتالي فهذا ليس حجة علينا، والأدلة على تحريمِه في شرعِنا كثيرة؛ منها قولُ اللهِ - سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) } (فصلت) .