وتدعو الآلهة أن ترده إليها، وهناك على المذبح وجدت الأم طفلها يلعب في ابتهاج وسط اللهب، كما لو كان يعبث في حمام دافئ، وبعد هذا دبر"دوران سرون"خطة جديدة فاستدعى سحرته الثلاثة وأمرهم بإحضار الطفل مرة أخرى ووضعه وسط الطريق العام حيث يمر قطيع كبير من الماشية، ولكن أول بقرة من القطيع أسرعت نحو الطفل ووقفت تغطيه بجسمها لتحميه من القطيع، وظلت البقرة في مكانها حتى مر القطيع كله، وعندما جاءت أم زرادشت تجري على الطريق بحثًا عن ولدها وجدته على الأرض سليمًا لم يلحقه أي أذى، فدبر"دوران سرون"مكيدة أخرى فقرر أن يسرق زرادشت ويضعه في جحر ذئاب وقال إن لم تأكله الذئاب فسيموت جوعًا، ولكن الذئاب عندما عادت إلى جحرها تسمرت فجأة في الأرض وعجزت عن التحرك، بينما ظهرت عنزتان داخل الجحر بغير خوف، راحتا ترضعان الطفل، وليست هذه سوى واحدة من عدة قصص قيلت حول ما حدث لزرادشت حينما كان طفلًا.
عندما بلغ زرادشت السابعة من عمره، أرسلوه بعيدًا ليدرس مع الحكيم"بورزين كوروس"، وظل يدرس عند الحكيم ثمانية أعوام، وتعلم العقيدة والزراعة وتربية الماشية وعلاج المرضى، وحينما كان في الخامسة عشر من عمره غزا الطورانيون إيران، فتطوع زرادشت في علاج جرحى الحرب، وبعد الحرب انتشرت المجاعة في جميع أنحاء إيران، فتطوع زرادشت واضعًا جهده وخبرته في خدمة المرضى والفقراء، ثم تزوج فتاة اسمها"هافويه"، أنجبت له بنتًا وولدين وظل يواصل عمله في خدمة المرضى وعلاجهم لمدة عشرة أعوام أخرى.
وحينما كان زرادشت في العشرين من عمره قال لزوجته:"سأذهب بعيدًا لأعيش ناسكًا زمنًا، لأفكر في الخير والشر، فربما تبينت مصدر العناء في العالم"، فذهب زرادشت وانطلق إلى جبل"سابلان"حيث هام على وجهه سعيًا وراء أجوبة عن تساؤلاته الكثيرة حول الأصل والمصير ومعنى الحياة والخلاص، وفي يوم ما قفز زرادشت واقفًا على قدميه وقد ملأه فرح غامر، لقد أمسك بيده سر الحكمة التي يبحث عنها، وجاء ذلك الإدراك وهو يرقب غروب الشمس، فقد أدرك وقتئذ أن اليوم ينقسم إلى قسمين: النهار والليل، النور والظلام، ولكن ألم يكن يعرف هذه الحقيقة العادية منذ طفولته؟ بلى ولكنه تبين فيها الآن سر الحكمة، فكما أن اليوم يتألف من النور والظلام، فالعالم أيضًا فيما بدا لزرادشت يتألف من الخير والشر، وكما أن الليل والنهار لا يمكن أن تتغير طبيعتهما أبدًا، فالنهار متألق