فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 1332

والليل مظلم، فكذلك لا يمكن للخير أن يصبح شرًا، ولا يمكن للشر أن يصبح خيرًا، وإذا كان الخير دائمًا خيرًا والشر شرًا، فإن السحرة والكهنة الذين يقومون على عبادة الأوثان لابد أن يكونوا جزءًا من الخطأ أيضًا، فهم يعتقدون ويتقربون لآلهة الخير من أجل أن تصنع خيرًا، فآلهة الخير لا يمكن أن تصنع شرًا، وآلهة الشر لا يمكن أن تفعل أي خير، وبدا وضحًا كل الوضوح لزرادشت أن العالم تحكمه قوتان: خير واحد وشر واحد، وقال زرادشت إن"أهورا مزدا"هو قوة الخير، وأن"أهرمان"هو قوة الشر.

وعندما نزل زرادشت من فوق جبل"سابلان"مستعدًا في حماس لإعلان حقيقة الخير والشر للناس، لم يكن أهل إيران مستعدين للإنصات إليه، فقد كانوا قد تعودوا آلهتهم وأصنامهم التي كانت حقائق ملموسة بين أيديهم، بينما إله الخير وروح الشر اللذان يتحدث عنهما زرادشت لا يمكن رؤيتهما أو سماعهما أو لمسهما، ومرت بزرادشت عشرة أعوام رهيبة هائلة وهو يبحث عن مؤمنين به، ولقي خلال تلك السنوات من التعنت والشقاء والعذاب ما لا يتحمله بشر، فقد تخلى عنه أهله وعشيرته منذ أعلن فيهم رسالته وطردوه، فترك مسقط رأسه وراح يتنقل من بلد إلى بلد تسبقه إليها شهرته التي تقول إنه رجل يسب الدين والكهنة، فيخشاه النس ويأبون حتى أن يستضيفوه فلا يجد أمامه ليبيت لياليه الطويلة سوى حظائر الخير والبغال والحمير، واستمر زرادشت يناضل في سبيل دعوته وهو يقطع أرض إيران طولًا وعرضًا واعظًا الناس مرشدًا ومجادلًا، ولكن لم يتبعه أحد حتى كاد اليأس الكامل أن يأخذ به، ومع هذا فإن ربه"أهورا مزدا"لم يتركه، فيقال إن الوحي نزل عليه في هذه المرحلة سبع مرات، ظهر له الإله"أهورا مزدا"في إحديها، كما ظهر له بعد ذلك الملائكة الستة الكبار ليلقنوه أصول الحكمة وهؤلاء الملائكة الستة هم أساطين العرش، وهم رموز ومثل عليا لمعان إنسانية مقدسة، فثلاثة منهم ذكور يمثلون التفكير الطيب والحق الأسمى والإحسان، وثلاث إناث يمثلن الفداء والخلود والتقوى.

وكان أول من آمن بتعاليمه هو ابن عمه الذي نصحه بأن يبدأ بنشر تعاليمه بين المتعلمين أولًا لصعوبتها على العامة، فذهب زرادشت إلى الملك وحاشيته وبعد جهد جهيد استطاع زرادشت من إقناع الملك بالإيمان بأن الخالق هو"أهورا مزدا"إله الحكمة والحاكم الأسمى للعالم، خالق كل ما هو خير في العالم لأن الله خير، وبأن"أهرمان"روح الشر الذي هو خلق كل ما هو شر في العالم، وبأن دورة العالم تستمر اثني عشر ألف سنة، وفي أثناء الآلاف الثلاثة الأولى كان هناك عالمان متجاوران، هما عالم"أهورا مزدا"عالم النور، وعالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت