ثالثًا: إن هذه الواقعة منّة من اللهِ للنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث جمع اللهُ له بين النبوةِ والشهادةِ فمات نبيًّا شهيدًا - صلى الله عليه وسلم - منْ أثرِ ذلك السم الذي تسبب له في مرضٍ كان يؤلمه بين الحين والآخر ....
والسؤال الذي قد يُثير شبهةً بالفعلِ هو: هل يوجد تناقضٌ بين هذا الحديث الذي يثبت أنه مات من أثر السم وبين قولِ اللهِ - سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة 67) .
قلتُ: العصمةُ المقصودةُ من الآيةِ هي عصمة من القتل قبل إتمام الرسالة التي كُلف بها.
جاء في تفسير الجلالين: {يا أيها الرسول بَلّغْ} جميع {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} ولا تكتم منه شيئًا خوفًا أن تُنال بمكروه {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} أي: لم تبلغ جميع ما أُنزل إليك {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} بالإفراد والجمع [رسالاته] لأنّ كتمان بعضها ككتمان كلها {واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} أن يقتلوك وكان - صلى الله عليه وسلم - يُحرس حتى نزلت فقال: «انصرفوا فقد عصمني اللهُ» رواه الحاكم {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين} . اهـ
جاءت رواية عند البخاري في صحيحه معلقًا، والحاكم في مستدركه موصولًا بَاب (مَرَضِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَوَفَاتِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ - سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ:"يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ".