وَطَاعَة. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل تَعْقِيب النَّهْي بِقَوْلِهِ"وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة"وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْع طَلَبِ الْمُبَارزَة، وَهُوَ رَأْي الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُول: لَا تَدْعُ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَإِذَا دُعِيت فَأَجِب تُنْصَر، لِأَنَّ الدَّاعِي بَاغٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل عَلِيّ فِي ذَلِكَ.
قَوْله: (ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِل الْكِتَاب إِلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا الدُّعَاء إِلَى وُجُوه النَّصْر عَلَيْهِمْ، فَبِالْكِتَابِ إِلَى قَوْلِه - سبحانه وتعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ} (التوبة 14) . وَبِمُجْرِيَ السَّحَاب إِلَى الْقُدْرَة الظَّاهِرَة فِي تَسْخِير السَّحَاب حَيْثُ يُحَرِّك الرِّيح بِمَشِيئَةِ اللَّه - عز وجل -، وَحَيْثُ يَسْتَمِرّ فِي مَكَانه مَعَ هُبُوب الرِّيح، وَحَيْثُ تُمْطِر تَارَة وَأُخْرَى لَا تُمْطِر، فَأَشَارَ بِحَرَكَتِهِ إِلَى إِعَانَة الْمُجَاهِدِينَ فِي حَرَكَتهمْ فِي الْقِتَال، وَبِوُقُوفِهِ إِلَى إِمْسَاك أَيْدِي الْكُفَّار عَنْهُمْ، وَبِإِنْزَالِ الْمَطَر إِلَى غَنِيمَة مَا مَعَهُمْ حَيْثُ يَتَّفِق قَتْلهمْ، وَبِعَدَمِهِ إِلَى هَزِيمَتهمْ حَيْثُ لَا يَحْصُل الظُّفْر بشيء مِنْهُمْ، وَكُلّهَا أَحْوَال صَالِحَة لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَشَارَ بِهَازِمِ الْأَحْزَاب إِلَى التَّوَسُّل بِالنِّعْمَةِ السَّابِقَة، وَإِلَى تَجْرِيد التَّوَكُّل، وَاعْتِقَاد أَنَّ اللَّه - عز وجل - هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْفِعْلِ. وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى عِظَم هَذِهِ النِّعَم الثَّلَاث، فَإِنَّ بِإِنْزَالِ الْكِتَاب حَصَلَتْ النِّعْمَة الْأُخْرَوِيَّة وَهِيَ الْإِسْلَام، وَبِإِجْرَاءِ السَّحَاب حَصَلَتْ النِّعْمَة الدُّنْيَوِيَّة وَهِيَ الرِّزْق، وَبِهَزِيمَةِ الْأَحْزَاب حَصَلَ حِفْظ النِّعْمَتَيْنِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَنْعَمْت بِعَظِيمِ النِّعْمَتَيْنِ الْأُخْرَوِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة وَحَفِظْتهمَا فَأَبْقِهِمَا. وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا أَيْضًا فَقَالَ:"اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبّنَا وَرَبّهمْ، وَنَحْنُ عَبِيدك وَهُمْ عَبِيدك نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك، فَاهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ"وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا نَحْوه لَكِنْ بِصِيغَةِ الْأَمْر عَطْفًا عَلَى قَوْله (وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة: فَإِنْ بُلِيتُمْ بِهِمْ فَقُولُوا اللَّهُمَّ) فَذَكَرَهُ وَزَادَ (وَغُضُّوا أَبْصَاركُمْ وَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ عَلَى بَرَكَة اللَّه) . اهـ
ثالثًا: إن قيل: ما هو ما معنى قولِه - صلى الله عليه وسلم:"وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ"؟