لهذا قال أكثرُ العلماءِ: الساحرُ كافرٌ؛ وهو من قوله تعالى:"وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر". أي: بعمل السحر يأتي الكفر ...
ثم إن قتله ليس محل اتفاق عند المجتهدين من علماء المسلمين كما يلي:
1 -قال ابن حجر في الفتح: وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث جُنْدُب رَفَعَهُ قَالَ"حَدّ السَّاحِر ضَرْبه بِالسَّيْفِ"فَفِي سَنَده ضَعْف، فَلَوْ ثَبَتَ لَخُصّ مِنْهُ مَنْ لَهُ عَهْد، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَة مِنْ رِوَايَة بِجَالَة"أَنَّ عُمَر كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا كُلّ سَاحِر وَسَاحِرَة"وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار فِي رِوَايَته عَنْ بِجَالَة"فَقَتَلْنَا ثَلَاث سَوَاحِر"أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ أَصْل الْحَدِيث دُون قِصَّة قَتَلَ السَّوَاحِر، قَالَ اِبْن بَطَّال: لَا يُقْتَل سَاحِر أَهْل الْكِتَاب عِنْد مَالِك وَالزُّهْرِيّ إِلَّا أَنْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ فَيُقْتَل، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَعَنْ مَالِك إِنْ أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِم لَمْ يُعَاهَد عَلَيْهِ نُقِضَ الْعَهْد بِذَلِكَ فَيَحِلّ قَتْله، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَبِيد بْن الْأَعْصَم لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِم لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُور بِذَلِكَ فِتْنَة بَيْن الْمُسْلِمِينَ وَبَيْن حُلَفَائِهِ مِنْ الْأَنْصَار، وَهُوَ مِنْ نَمَط مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْك قَتْل الْمُنَافِقِينَ، سَوَاء كَانَ لَبِيد يَهُودِيًّا أَوْ مُنَافِقًا عَلَى مَا مَضَى مِنْ الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَالَ: وَعِنْد مَالِك أَنَّ حُكْم السَّاحِر حُكْم الزِّنْدِيق فَلَا تُقْبَل تَوْبَته، وَيُقْتَل حَدًّا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَا يُقْتَل إِلَّا إِنْ اِعْتَرَفَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَل بِهِ، فَإِنْ اِعْتَرَفَ أَنَّ سِحْره قَدْ يَقْتُل وَقَدْ لَا يَقْتُل وَأَنَّهُ سَحَرَهُ وَأَنَّهُ مَاتَ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْقِصَاص وَوَجَبَتْ الدِّيَة فِي مَاله لَا عَلَى عَاقِلَته، وَلَا يُتَصَوَّر الْقَتْل بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ، وَادَّعَى أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ فِي"الْأَحْكَام"أَنَّ الشَّافِعِيّ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ إِنَّ السَّاحِر يُقْتَل قِصَاصًا إِذَا اِعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِحْرِهِ، وَاَللَّه أَعْلَم. قَالَ النَّوَوِيّ: إِنْ كَانَ السِّحْر قَوْل أَوْ فِعْل يَقْتَضِي الْكُفْر كَفَرَ السَّاحِر وَتُقْبَل تَوْبَته إِذَا تَابَ عِنْدنَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي سِحْره مَا يَقْتَضِي الْكُفْر عُزِّرَ وَاسْتُتِيبَ. اهـ
2 -تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي: قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: عَمَلُ السِّحْرِ حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا وَقَدْ لَا يَكُونُ كُفْرًا بَلْ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ