فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 1332

قد يقال: إن هناك تعارضًا بين الأحاديث في هذا الأمر؟

قلتُ: لا يوجد تعارض؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصبغ شعرَه قط، ويتضح معنى الأخير من خلالِ ما ذكره ابنُ حجرٍ في الفتحِ عن الإسماعيلي:

قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِيهِ بَيَان أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الَّذِي خَضَّبَ، بَلْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون أَحْمَر بَعْده لِمَا خَالَطَهُ مِنْ طِيب فِيهِ صُفْرَة فَغَلَبَتْ بِهِ الصُّفْرَة، قَالَ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَحَدِيث أَنَس"أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُخَضِّب"أَصَحّ، كَذَا قَالَ، وَاَلَّذِي أَبَدَاهُ اِحْتِمَالًا قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مَوْصُولًا إِلَى أَنَس فِي"بَاب صِفَة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -"وَأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا اِحْمَرَّ مِنْ الطِّيب. قُلْت: وَكَثُرَ مِنْ الشُّعُور الَّتِي تُفْصَل عَنْ الْجَسَد إِذَا طَالَ الْعَهْد يَئُول سَوَادهَا إِلَى الْحُمْرَة، وَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ مِنْ التَّرْجِيح خِلَاف مَا جَمَعَ بِهِ الطَّبَرِيُّ، وَحَاصِله أَنَّ مَنْ جَزَمَ أَنَّهُ خَضَّبَ - كَمَا فِي ظَاهِر حَدِيث أُمّ سَلَمَة، وَكَمَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَاضِي قَرِيبًا أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - خَضَّبَ بِالصُّفْرَةِ - حَكَى مَا شَاهِده، وَكَانَ ذَلِكَ فِي بَعْض الْأَحْيَان. وَمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَأَنَسٍ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْأَكْثَر الْأَغْلَب مِنْ حَاله، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم وَأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة قَالَ"مَا كَانَ فِي رَأْس النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَلِحْيَته مِنْ الشَّيْب إِلَّا شَعَرَات كَانَ إِذَا دَهَنَ وَأَرَاهُنَّ الدُّهْن، فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْخِضَاب شَاهَدُوا الشَّعْر الْأَبْيَض، ثُمَّ لَمَّا وَارَاهُ الدُّهْن ظَنُّوا أَنَّهُ خَصَّبَهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ"

الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالصبغِ فيما عدا السواد، ولم يصبغ هو - صلى الله عليه وسلم -؛ ففي صحيح مسلم برقم 3925 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ".

وعلة أمره - صلى الله عليه وسلم - بالصبغ تتضح من عدةِ أوجه منها:

أولًا: إن هذا أحسن للمظهرِ كما تقدم معنا من حديث أبي قحافة (والد أبي بكر - رضي الله عنه - وعن أبيه) ، ويَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ نَظَافَة الشَّيْب، فَمَنْ كَانَتْ شَيْبَته تَكُون نَقِيَّة أَحْسَن مِنْهَا مَصْبُوغَة فَالتَّرْك أَوْلَى، وَمَنْ كَانَتْ شَيْبَتُهُ تُسْتَبْشَع فَالصَّبْغ أَوْلَى، وقد صح عن نبينا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه الترمذيُّ في سننه برقم 1558، وصححه الألباني في الصحيحة (1244) ، والمشكاة (4459 / التحقيق الثاني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت