ولقد قضى هؤلاء الغرباء صفوة آخر الزمان، هؤلاء الذين لا يجدون على الحق نصيرًا ولا معينا، هؤلاء الذين علو على الجاهلية ولهيبها المستعر، وفرّوا بدينهم إلى عوالي الجبال وشعب الوديان، تراهم هناك بين الراسيات الشامخات شعثًا غبرا يبنون رؤاهم، ويرسمون معالم أمانيهم الخاصة بهم .. يومًا تؤويهم الأشجار بين أغصانها، وسائدهم الحجارة والجعب، وفرشهم أوراق الشجر، ويومًا تؤويهم الأكواخ المهجورة وكهوف السباع المتروكة، ويومًا تجفوهم الجبال فيهيمون على وجوههم يبحثون عن مأوى:
غريب من الخلان قد ند صحبه وقد أقبل الأعداء واحلولك الليل
أقول: لقد قضى هؤلاء النماذج البررة، ومضوا إلى ربهم بعد أن أدوّا رسالتهم في هذه الحياة ... رحلوا وهم يقارعون أعتى جاهلية عرفها البشر أمريكا هبل العصر الحديث، ذاك الصنم المتهاوي الذي دان لجبروته، وخضع لغطرسته القاصي والداني .. عدا ثلة قليلة مجاهدة ما زالت ظاهرة على الحق، لا يضرها من خالفها أو خذلها حتى يأتي أمر الله وهي على ذاك، حداؤهم في الطريق الدامي الوعر قوله سبحانه وتعالى ...
{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلا أن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 148 ومن الجدير ذكره في هذا المقام أن ثلة من هؤلاء الغرباء بدينهم قضوا برصاص جيش الردة والغدر والخيانة الباكستاني، ذاك الجيش الذي باع كل شيء من أجل لعاعات من الدنيا بخيسة .. فطارد المجاهدين من ورثة محمد ?، وراح يقربهم قرابين لآلهته المدّعاة هناك في البيت الأبيض _ سوده الله - فأسر من أسر غدرًا وخيانة، وقتل من قتل غيلة وظلما ...
ولكن .... ، رغم الجراح ورغم الآلام والمآسي العظام .. فإن غرباء آخر الزمان مصممون وعازمون، وقد أخذوا العهد على أنفسهم أن لا يُغمد لهم صارم حتى تقام دولة القرآن وتشيد خلافة الله في الأرض أو تهلك هذه العصبة دون هذا المقصد، وتذوق ما ذاق حمزة بن عبد المطلب ..
ولقد أكرمني الله ورأيت أن معظم هؤلاء الذين شرفني الله بمصاحبتهم، لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين ربيعًا .. قد هجروا أعطاف النعيم والفراش الوفير، وأقبلوا إلى قفار الهضاب وجُرد الجبال يروّون ظمأهم بمعانقة الأهوال والأُمور العظام ومصافحة السنان:
هم الناس خير الناس والناس عنهم ... تفرّ إذا كروا لجز الحلاقم
إذا حملوا في القوم قلت صواعق ... من الجو خرت بالسيوف الصوارم
مقاديم إلا في الآثام فإنهم ... إلى هفوات الإثم غير مقادم
شعارهم التهليل والذكر والثنا ... على الله والتكبير عند التقاحم
ورأيتهم من أصحاب الثقافة العلمية القليلة، ليسوا من الحفاظ ولا العلماء وليسو كذلك من الدعاة المفوهين والخطباء المرموقين .. ولكنهم بدمائهم الزكية رسموا كلمات هذا الدين .. وخطوا بعرقهم ودموعهم تاريخ مجد المسلمين .. وروّوا بتضحياتهم وصبرهم قصة هذا الزحف الإسلامي القادم ...
ولقد رأيتهم تجمعهم صفات معينة، وكما ذكر مجدد الفريضة الغائبة"الجهاد"الإمام الشهيد عبد الله عزام، وأهمها سلامة الصدر على المسلمين، وخدمة الإخوان المهاجرين، ونقاء السريرة وصفاء القلب وطهارة الروح:
طهارة أنفاس وصدق مودة ... وحذق وآداب وتجريد وهمة