حزم ابن أزد العز والفخار حقائبه، ويمم وجهه شطر المحطة المنتظرة، وبعد رحلة قاسية حطّ رحاله بين رواسي غرباء آخر الزمان، وكان اللقاء الأول بهذا الفارس المغوار .. شاب في مقتبل العمر يأسرك بأدبه وحيائه وصمته ..
وما الصمت إلا في الرجال متاجر ... وتاجره يعلو على كل تاجر
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما وصفه الأخ عبد الجليل الحجازي:"محبوبًا من قِبل الجميع .. لم أعرف أو أُشاهد أحدًا إلا ويحب خطابًا، ظريفًا للغاية، صاحب نكتة هينًا سهلًا لينًا مع إخوانه بعيدًا كل البعد عن الجدل والخلاف .. وكان رحمه الله فاكهة المركز استطاع أن يأسر قلوب إخوانه بظرافته، وكان محبًا لتلك الدروس التي تتحدث عن الحور العين .. مما دعاني أن أُسميه بخطاب الحور ..."
بدأ الغريب المهاجر مشواره بإعداد نفسه فأعدّ أيّما إعداد، وسرعان ما شارك إخوانه رباطهم وجهادهم .. ومع تزايد الضغط على غرباء آخر الزمان، لاحت لشهيدنا فكرة العودة إلى مسقط الرأس لنزال علوج الصليب التي دنست ذاك الثرى الطيب، مقتفيًا أثر تلك الجبال الشامخة ومكملًا المسيرة المباركة التي ابتدأها ليوث التوحيد بقيادة الجبل الشامخ"عبد العزيز المقرن"... الذي مضى إلى ربه بعد أن بلغ الرسالة التي كلف بها، وفيما كان منتظرًا انتهاء إخوانه من إجراءات السفر وترتيب الطريق الموصل إلى مسقط الرأس حدثته نفسه أن يزور معاقل الليوث المرابطين في عرينهم منتظرين الأمر بالإغارة على قطعان الصليب ..
وفي تلك المعاقل ترامى إلى مسامعه خبر إحدى الغدوات التي يعد لها الأشاوس، وهنا استأذن عاشق الحور أميره أن يكون له نصيب في هذه الغدوة وكان له ما أراد ..
تحرك الركب المبارك بعد ان أعدّ العدة، وقد زينت رؤاه تلك الأُمنية بصبّ جام غضبه على معاقل تلك القطعان السائبة، وما أن وصل الفرسان حتى أخذ كل فارس موضعه المعد له وراح ينتظر ساعة الصفر ... وهناك تحت الأغصان الوارفة التي تزين تلك التلة الخضراء تجاذبت أطراف الحديث مع ذاك الأسد الراحل عما قليل، واسترسلنا بالحديث وراح يسألني مستفسرًا عن شموع الجهاد الشيخ أسامة والشيخ أيمن الظواهري والشيخ أبي مصعب السوري والشيخ أبي مصعب الزرقاوي وما كان إلا أن أوعبت له بالحديث عن تلك المنارات السامقة.
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وبعد طول انتظار جاء الأمر وراحت حمم الله اكبر تنهال على مواقع الردة والصليب، وما أن أنهى أبناء التوحيد رمايتهم حتى أقبلت طائرات الصليب التي زرعت الأرض بقنابلها العنقودية، وخيب الله فألهم، وانحاز المجاهدون بسلام .. وما أن أسدل الظلام بأستاره حتى أقبلت طائرة الصليب، وراحت تتبع خطوات العائدين، وهناك في إحدى المراكز المتأخرة اجتمع رهط المجاهدين، وهذا ما كانت تصبو إليه تلك الماكرة، وفي لحظة الاجتماع استل ربانها صاروخًا موجهًا ليزريًا وأصاب ذاك الرهط المبارك بمقتل .. ونال خطاب مراده ومضى إلى ربه مستبشرًا فرحا .. وبقيت أُمنيته شاخصة تبحث عن أُولئك الذين يحققونها واقعًا عمليًا في دنيا البشر ..
يا غريبًا بكته عين المعالي ... وقليل لها إذا أبكاها