مشواره مكابدًا مصاعب الحياة وغصصها، فعمل هنا وهناك وعرف المسؤولية والاعتماد على النفس في سن مبكرة .. ووجد شهيدنا ان رجولته تكتمل بتعلم فنون القتال فثابر في تعلم هذا الفن وبرع فيه، وقبل أن يتجاوز العشرين من عمره جادت عليه سُحب السماء بوابل خيرها الفياض .. والتقطته يد الرحمة
الربانية وألقت به على جادة الهداية والرشاد، وسرعان ما أحب الجهاد، وعشق الاستشهاد ونفرَ قاصدًا ميادين العزة والإباء ..
وهناك في تركيا حطّ رحله ولم يطل البقاء فسرعان ما عاد أدراجه يلفه الحزن، فقد حالت سني عمره القليلة بينه وبين الجهاد في سبيل الله .. ومع ذاك إلا أنه لم يعرف اليأس إليه سبيلا، فأعاد الكرة وكان له ما أراد ...
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيه محبب
وبعد طول سفر حطّ ابن المغرب رحاله في معسكر الجماعة الليبية وكان ذاك قبل غزوة الفرقان بأشهر معدودة، وهناك أعدّ واستعدّ وسرعان ما برع في استعمال السلاح، ليتبوأ عرش الدورة الخاصة في استعمال المسدس، وكأنه يتمثل قوله عليه الصلاة والسلام {ارموا بني اسماعيل فإن أباكم كان راميا} ولم يمض على تلك الدورة سوى عدة أسابيع، وإذ بطائرات التوحيد تدك عرش الشيطان في منهاتن وواشنطن، وغدت تلك الرموز ركامًا فوق ركام ..
{لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلا أن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 110)
وبعد تلك الفاجعة التي حلت بأحفاد قيصر، راح الصليب يزبد، ويرغي، وأقبل بخيله وخيلائه محاولًا أن يطمس معالم ذاك السنا الرباني الذي بدأ يُرسل بأشعته المشرقة ماحيًا سوط الظلام الدامس ...
وما هي سوى أسابيع على ذاك الفتح المبين حتى بدأت الأرض تتفجر براكين من تحت أقدام الموحدين، وراحت السماء تمطر الأرض بشهبها، وانبرى عاشق الردى مع إخوانه للذود عن حمى الله أكبر ... ولكن المؤامرة كانت أكبر، والخيانة بدت أعظم، وتجار الدماء أرادوا أمرًا آخر ..
وكان السقوط الذي أتبعه انحياز شهيدنا والعصب المهاجرة إلى خوست، وفي تلك المرابع شارك المهاجر إخوانه جهادهم وكان مع تلك الثلة المحمدية التي قادها أبوالليث الليبي لفك الحصار عن ثلاثة موحدين وقعوا في قبضة قطاع الطرق، وكان له ما أراد بمعية إخوانه ..
كأن لم يكن بين الجبال أو الغضى ... أنيس ولم يبرز بها أيّ ضيغم
وبعد عدة أسابيع على الانحياز المحزن من أفغانستان بدأت تلوح في الأفق أحداث ملحمة شاهي كوت، وكان الزبير حاضرًا ملازمًا لأبي الليث، وبين سفوح الشامخات قرعت الحرب طبولها، واشتدّ أوارها، وتقدمت طائرات الصليب تحصد الأرض حصدًا بنيران رجسها .. وهنا انبرى عاشق الموت يلاعبها برشاش البيكا، وكان أول مَن رمى في تلك الواقعة الشهيرة ...
لو كنت شاهده وقد حميَ الوغى ... يختال في درع الحديد المسبل
لرأيت منه والقضيب يلفه ... بحرًا يريق دم العداة بجدول
تتابعت الأحداث بسرعة مفرطة، وازداد ضرام الواقعة، وفي ليلة من ليالي شاهي كوت رأى فيما يرى النائم فتاتين كانت الصغرى من نصيبه والكبرى من نصيب أبي الليث، وفي الصباح الباكر قصها على هذا الأخير، والذي عبرها بقوله:-"لعلها الشهادة يا زبير"وهناك فوق إحدى قمم المجد وقف الزبير حارسًا يرقب حركات الصليب، وغاب مع نفسه وراح يناجي ربه والعبرات تنسال