وفيما أمواج الرحيل تتقاذفه يمنة ويسرة زاره الشيخ أبو عبدالرحمن الكندي في معقله، وسرعان ما عرض عليه ان يرافقه إلى عوالي الشامخات طامعًا الشيخ في إقناعه بالبقاء فوق روابي هذه الأرض المعطاء"وزيرستان"ولم يتردد سمرقند كثيرًا وسرعان ما استجاب لرغبة الشيخ ومضى معه، ولم يدر في خلده أنه يخطو الخطوات الأولى في رحلة الخلود السرمدية ... وفوق ذرى أنجور إده تنسم سمرقند نسمات العزة وعبير الفخار، ولم يمض على حلوله ضيفًا على الشيخ الكندي سوى عدة أيام حتى كانت جحافل الردة الباكستانية تشق صمت الليل البهيم بغدرها ومكرها وتحيط بتلك التباب التي شَرفت بأن تحوي بين جنباتها ذاك المنزل الذي آوى بين جدرانه سمرقند وبقية العصبة المباركة ... ومع إطلالة صباح ذاك اليوم الحزين كانت أصوات النفاق والردة عبر مكبرات صوتها تصدح مطالبة سمرقند والصحبة الطيبة بالتسليم وإلقاء السلاح، وأنّى لأخي الهمة والشجاعة أن يعطي الدنية في دينه ... ؟!
وما كنت أرضى بالدناءة خطة ... ولي بين أطراف الأسنة مقدم
وما ألفت ظل الهوينا صريمتي وكيف وحدّاها من السيف أصرم
ألم تر أن الحر يستعذب المنى ... تباعده من ذلة وهي علقم
سأجعل نفسي للمتالف عرضة ... وأقذفها للموت والموت أكرم
وفي تلك اللحظات العصيبة وقد أرهق المرض سمرقند وأخذ منه كل مأخذ دار الحوار بين سمرقند وأبي خالد التونسي الذي ألحّ عليه بالخروج وترك المنزل حتى تسهل حركته .. وجاء الرد المزلزل من ذاك الطود الشامخ الذي طالما تغبر وجهه بغبار المعامع"لن أغادر هذا المكان وسأقاتل حتى ألقى الله .."
وأمام إصرار الرواد أبناء التوحيد على النزال بدأت القذائف تنهال على الموحدين وراح الرصاص يزغرد حاكيًا قصة هذا الدين واشتد أوار المعمعة، وبعد ستة عشر مخزنًا أفرغها الليث الغريب سمرقند ترجل الفارس عن فرسه ونعت الشجاعة أخاها ...
نعته السما والأرض حتى بكت له ... جفون الغوادي بالدموع السواكب
ورق القنا حزنًا عليه صدوره ... وحنت إليه حاملات السلاهب