فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 308

وهناك في تلك المرابع المباركة كانت الصدمة التي لم يحسب لها حسابًا، ففي أروقة مجالس العلم ضاقت نفسه، وانقبض قلبه كيف لا؟! وألسنة مَن يدّعون طلب العلم والانتساب إلى ورثة محمد ? تلهج بذكر محاسن الطغاة وتمجيدهم وإسباغ الشرعية على حكمهم، محرفين الكلم عن مواضعه ..

وادعى الهدى في الأنام رجال ... صحّ لي أن هديهم طغيان

ولم يمض سوى شهرين على وجوده في بلاد الإيمان والحكمة حتى حزم أمتعته، ورام ببصره إلى ميادين القتل والقتال بعد ان ساق الله إليه مَن يأخذ بيده إلى ذاك العالم الذي طالما تمنى أن يراه شاخصًا حيًا في عالم الأحياء ...

نفسي مولعة بالمجد تطلبه ... ومطلب المجد مقرونٌ به التلف

حطّ الليث الهزبر رحاله في معسكر الجماعة الليبية، وكان ذاك قبل غزوة منهاتن بحوالي شهرين ونصف ... فأعدّ واستعدّ، وهناك بين ليوث الوغى كثيرًا ما كان يتندر باسمه قائلًا:-"لو أن والدي أسماني خالدًا أو عبيدة مكان سامي"..

بدت نباغة عبدالله تظهر بسرعة مدهشة فعُين مدربًا وغدا من أركان المعسكر وأبلى بلاءً حسنًا، وكأنه خُلق للقضِ والحديد لا للقصعة والثريد .. لم يمض على هجرة شهيدنا سوى عشرة أسابيع حتى دكت شوامخ الصليب في معقل الجاهلية في الأرض ..

ومقرًا قد زلزلته صواعق ... الأبطال حين تصادم الأبطال

وهنا أقبلت أحطاب جهنم بقضها وقضيضها، وقد جال في رؤاها حلم القضاء على معاقل أبناء الإسلام فوق ذرى خراسان ..

استنفر عبدالله، وعين نائبًا لعبد الحميد الذي تولى مسؤولية أحد المراكز التي آلت على نفسها الدفاع عن بيضة هذا الدين ...

وبعد ثمانية وعشرين يومًا من حشد الصليب لأتباعه راحت الطائرات تمطر الأرض بنيران صواريخها .. وهنا هبّت جموع المؤمنين للذود عن لا إله إلا الله بالرغم من ضيق الحال، وأبلوا بلاءً قلما يجود الزمان بمثله ..

ومضى الكثير منهم شهداء بعد أن بلغوا الرسالة بدمائهم، وانكسر خط كابل بتآمر المتآمرين، وحوصر عبد الحميد وإخوانه، وراح عبدالله يُجري اتصالاته معهم محاولًا أن يُوجههم، ولكن حيل بينه وبين أميره الذي شُغف به حبا .. وباءت محاولاته فك الحصار بالفشل وانحاز عبدالله وبقي عبد الحميد هناك يقارع جموع الردة والنفاق ...

انحاز عبدالله إلى خوست مع أبي الليث، وهناك سئم الحياة، وتعلقت روحه بالملأ الأعلى بعد أن فقد احبابه، ولطالما عمل على اقتحام ساح المنايا وأبو الليث يحول بينه وبين مطلبه مصبرًا إياه وشادًا من أزره .. انحازت العصب الموحدة بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .. وبقي عبدالله الذي شارك تلك الثلة الصابرة الإعداد لملحمة شاهي كوت، وما هي سوى أسابيع حتى عزفت الحرب ألحانها واشتدّ أوارها وابلى فرسان الوغى خير البلاء، وذاقت أحلاف الصليب فيها طعم الذلة وكأس الهوان، وانكسر كبرياؤه وغاص في الوحل بعد أن كان لسان حاله يردد ..

واقف تحت أخمصي قدر نفسي ... واقف تحت أخمصي الأنام

وبعد أن ذاق ما ذاق لجأ ورثة الروم إلى طيرانهم وأحجموا عن منازلة الفرسان، بعد أن عاينوا جلد الموحدين وشدة شكيمة المؤمنين ...

وهنا انحاز المهاجر الغريب مع مَن تبقى من إخوانه المهاجرين الممتشقين لأسلحتهم الخفيفة إلى مضارب القبائل البشتونية للإعداد لشوط ثانٍ من النزال مع علوج الأمريكان ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت