فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 308

ولم يمنعه ذلك من مواصلة المسيرة بل كانت حافزًا له على تقديم الأفضل .. وما أن أطلت سنة 2000 حتى كان عبد الوكيل أميرًا عامًا لخط كابل، وهناك في خنادق القتال، وتحت دخان القصف كان اللقاء الأول بهذا الليث الضرغام ..

جسم تركب تركيب الطباع به ... الحلم والبأس والمعروف والأدب

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني رفيق دربه الأخ السعدي:"ذا أدب رفيع وحياء جمّ، وصاحب دعابة لطيفة وطريفة، ومزاح جميل، شجاعًا لا يهاب الردى، سليم الصدر لا يحمل غلًا ولا يقل غبنًا، متواضعًا وإذا ذكر التواضع ذكر عبد الوكيل .."

وإن كنت ناسيًا فلا أنسى ذاك اليوم الذي استعدت فيه جحافل الردة والنفاق للإغارة على خطوط كابل، وكنت في تلك الأيام ممتشقًا سلاح RPG فتقدم ابن مصر عبد الوكيل مني، وطلب السلاح وكان له ما أراد .. وبمنتهى الشجاعة والإقدام تقدم بمفرده وأخذ موقعًا مناسبًا وراح ينتظر مدرعات العدو ليذيقها من زفرات مدفعه ولكنها أبت التقدم وجمدت في مواقعها هناك لا تتحرك ..

تتابعت الأيام مسرعة وإذ بخبر الزلزلة التي أصابت شوامخ الصليب تصدح بها إذاعات العالم، ووصل الخبر مسامع أبناء التوحيد فقد ارتطمت طائرات الكماة من أبناء التوحيد ببرجي التجارة ومركز الدفاع الأمريكي وغدت تلك المعالم هباءً منثورا ....

والكفر معتصم بسور مشرف ... الأبراج أُحكم بالصفيح وشيدا

فجعلت عاليها مكان أساسها ... وألنت للأخشاب فيها الجامدا

وبعد ذاك الفتح المبين أقبلت جحافل قيصر العصر الأحمق المطاع بوش، وأحاطت بأفغانستان وما هي سوى بضعة أسابيع حتى تصافح الرصاص، ودوت الانفجارات، وراح شهيدنا يرص الصفوف، ويشرف على جموع المجاهدين القادمين من أماكن شتى .. وبعد طول عناء وكثير تضحيات وتآمر المتآمرين وخيانة الخائنين ومتاجرة المتاجرين بدماء المسلمين سقطت كابل، وعلاها الصليب ...

ورحل القائد بجنده، والأحزان تلفه، وحطّ رحاله بين رواسي شاهي كوت بعد طول ترحال وتنقل، ومن هناك واصل رحلته إلى مضارب القبائل البشتونية ..

وفي تلك المرابع المعطاءة أبى عليه الإباء أن يرحل إلى أيّ مكان آخر، وأصرّ على البقاء برفقة الثلة المتبقية وراح يعد العدة لمواصلة نزال جرذان الروم ...

لله قلبك ما يخاف من الردى ... وتخاف أن يدنوا إليك العار

ولم يمض كثير وقت حتى ترامى إلى مسامع القائد خبر زحف علوج الصليب قاصدةً رواسي شاهي كوت، وهنا وعلى وجه السرعة أعدّ القائد فرسانه، وانطلق بهم إلى ميادين الحتوف .. وهناك بين العوالي أنشبت الحرب أظفارها، وتصافحت الأسنة واشتبكت الصوارم، وذاق عبدة الأوثان طعم الموت الزؤام، وأدرك أن للإسلام رجالًا يذودون دون حماه ...

وهناك فوق إحدى قمم الرجولة، وما أن فرغ القائد من إنزال فرسانه، وقد خاطب رفيق دربه أبا بكر المغربي بكلمات يمازحه فيها، وإذ بصاروخ مكر يمزق ذاق الجسد الطاهر، ويرحل بروحه إلى الباري عز وجل .. وبين تلك الشوامخ طويت آخر صفحة من صفحات هذا القائد الهمام، ونعى الصخر أخاه ومضى عبد الوكيل إلى ربه، ولسان حاله يردد ... {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت