فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 308

وحين كان ابن وادي سوف منشغلًا بإعداد الأماجد من أبناء هذه الأمة الكريمة على الله، كانت الكوكبة الربانية على موعد مع إزالة هوان السنين، التي أثقلت كاهل الأمة الإسلامية لعقود خلت، وتسييدها عرش المجد من جديد، فبعد أن أعدّ الآساد عدتهم، انطلقوا على بركة الله بطائرات الاستشهاد، وارتطموا بشوامخ الصليب وأحالوا تلك المفاخر هوانًا وذلةً تجلل طوالع عشاقها ...

نسفوا بناء الشرك فهو خرائب ... واستأصلوا الأصنام فهي هباء

وعلى وقع ذاك الحدث الجلل، امتلأت قلوب أبناء الضلالة حقدًا وغيضًا على أبناء التوحيد، وكشف الصليب الغطاء عن وجهه الكالح، وبدأت جموعه بالزحف يسوقها إبليس قاصدة أفغانستان الشريعة والقرآن ...

ولم يمض سوى بضعة أسابيع، حتى تصافح الرصاص واشتبكت الأسنة، وانبرى ليوث التوحيد لجلاد أبناء التثليث النصراني، ومن بين النافرين كان المالكي الذي راح يزرع طرق كابل بالقنابل، والعبوات الناسفة تحسبًا لأي اقتحام ...

شهرٌ تصرمت أيامه بسرعة عجيبة، وإذ بكابل الأمجاد تبكي على ماضيها، وتُسَلّم مفاتيحُها للغزاة القادمين من بعيد، بعد شلالات دماء زكية سالت على ترابها ....

زحف العلوج بخيلهم وبرجلهم ... وتبوأو منها أعزّ مقاعد

ولم يجد المالكي، والحالة تلك سوى الرحيل بزوجه وأبنائه، ووضع الركاب بعد طول السفر، بين حارات بيشاور الذكريات الماضية ...

وبين أزقة باكستان بدأ مشوار المطاردات والملاحقات الأمنية للمهاجر الغريب بدينه بين سائر الناس، ومنّ الله عليه بالحفظ، ولم تفلح محاولات أزلام الطاغوت في النيل منه، ولم تزده تلك المطاردات سوى إصرارًا على مواصلة رحلة المسير إلى الله ..

ذو همة نال فيها الحمد لو قرنت ... يومًا بيذبل لاندكت أعاليه

وتحت أسقف المعامل السرية، بدأ الليث مشواره الثاني مدربًا لعشاق الشهادة، ومعدًا لهم ليوم كريهة مع جحافل التثليث النصراني الغازي، على الرغم من ضيق الحال، وقلة ذات اليد وندرة الناصر والمعين ... ولكن النفوس التي تشربت العزة دمًا في عروقها، لا يمكن أن تضع السلاح أو تخلع لامة الحرب، وتضع الدنية في دينها للغزاة الحاقدين ...

توالت الأيام والمعلم الجزائري على حاله، حتى جاء اليوم الموعود الذي أذن فيه العلي القدير، لهذا الفارس بالرحيل إليه ... فبعد عقدين من البذل والعطاء، وفي يوم حزين من أيام هذه الفانية، ترامى إلى مسامع الصليب عبر عيون الردة والخيانة، أن ثلة من أبناء يعرب موجودون في معقل من معاقل الجهاد .. وحال تأكد أبناء الجاهلية من ذاك الخبر، انطلقت طائراتهم من مرابضها يحفها الغرور الصليبي، وما هي سوى دقائق حتى كانت الصواريخ تنصب صبًا على المنزل وإذ به ركام فوق ركام ....

وهناك ... وبين ثنايا ذاك الركام نعت الرجولة أخاها، وأسْلَمَ المالكي الروح الى مالكها، وأسدل الستار على آخر فصل من فصول غربته .. وحُقّ لأهالي وادي سوف أن يرثوا سيدهم المطاع ...

هابته أسباب المنية جهرةً ... فرمته خائنةً بموت زؤاف

موت الكرام البيض فوق جيادهم ... لا فوق نمرقة وتحت طراف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت