الذي ينطلق فيه من أغلال الدنيا ويحلق عاليًا في سماء الجهاد ... ولم يطل ذاك اليوم فعلى ترانيم غزوتي نيويورك وواشنطن وصل النداء إلى قلب الفتى الصغير الذي اضطرم شوقًا إلى ملاقاة العدا ....
وبعد عدة محاولات زينها العناء وغلفها الأمل وجد الطريق الموصل إلى مرابع المجد ....
حزم الفتى حقائبه وودع اهله وخلانه ويمم وجهه قاصدًا باكستان وهناك في مراكز التبليغ وجد مَن يأخذ بيده إلى كويته لينطلق منها على جناحي الشوق ويلقي بعصا ترحاله في قندهار المجد والعطاء ..
ولم يمض سوى بضعة أيام على حلوله ضيفًا على أهالي قندهار حتى حزم حقائبه ثانية وقصد كابل حيث الرجال حول ثغورها مرابطون ينتظرون الأمر للاننقضاض على معاقل أهل الردة والنفاق ...
أما الثغور فإنها غصص العدا وشفا الصدور لأمة الإسلام
وصل المهاجر الغريب كابل ولم يهنأ طويلًا بتفيؤ ظلال القرآن فوق ربوعها فقد آذنت شمسها بالأفول بعد أن باعها تجار الدماء بثمن بخس دراهم معدودة ...
وفوق غصص الأشواك سارت خطى الفتى الحزين لتلقي بثقلها فوق وهاد خوست .... وما هي إلا أيام حتى جاء الأمر بمغادرة خوست والرحيل إلى رواسي شاهي كوت ليواصل منها مسيرة الأحزان ويحطّ رحاله بين مضارب القبائل البشتونية الأبية ..
فهم غيوث إذا ما السحب قد بخلت ... وهم ليوث إذا ما الجيش قد رجفا
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني الأخ ابوسلمة النجدي:"كثير الصمت بل هو الصمت، طيب القلب ذا فطرة سليمة .. ولطالما تغنى الناس بشجاعته وإقدامه .."
وأضاف الأخ غزوان الجنوبي واصفًا هذا الهمام:"كان رحمه الله من أصغر الإخوة سنًا فعمره يناهز العشرين عامًا ولكنه والله ليث في جوهره ومخبره وقد كان طويل الصمت حتى أن بعض إخوانه عاتبه قائلًا:- أخاف عليك أن تمرض نفسيًا بكثرة سكوتك، فضحك الفاروق وكأن لسان حاله يردد هكذا راحتي ... وسبحان الله عندما تذكرت قول الحبيب المصطفى ? غبطته كثيرًا ..."
بدأ الفاروق مشواره الجديد متدربًا في المعاقل الجبلية فأعدّ واستعدّ، وما أن أكمل اعداده حتى انتدبه الأمير ليكون ضمن قافلة المجد المتجهة نحو جلال آباد ...
وكيف ينال المجد والجسم وادع ... وكيف يحاز الحمد والوفر وافر
انطلق الركب المبارك في رحلة الخلود، وعلى بركة العزيز الجبار سارت خطاهم لتحطّ رحالها بعد رحلة جللتها المخاطر في المعاقل التي أُعدت لهم مسبقًا ...
وهناك بدأ الليث مشواره الدامي فشارك رفقاء المسيرة رباطهم وجهادهم، وأبلى بلاءً قلما يجود الزمان بمثله ولا يسعني إلا أن اترك الأخ غزوان الجنوبي يحدثنا عن صفحة مشرقة من صفحات هذا الفارس المغوار قائلًا:-"في إحدى الغدوات الخالدة مع العدو اقتحم الموحدون بُسط ومراكز زمر النفاق والردة وكان الفاروق في المقدمة وكان يزحف بنفسه تجاه العدو ويتسابق لدخول الأماكن الخطرة وحده والأمير بأعلى صوته من الخلف ينادي يا فاروق ارجع إلى الخلف يكررها عليه وأما الفاروق فكأنه في لهفٍ وشوقٍ يريد لقاء ربه وكأن طيف حديث المصطفى ? يداعب مخيلته في الذين يضحك الرب اليهم"
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن اتقدما