وإذا رمى شُمّ المعاقل من علٍ ... طارت بمخترق الرياح ترابا
وبعد ذاك الفتح المبين، بدأت جحافل عُبّاد الشهوات والأهواء بالتقاطر على معقل التوحيد"أفغانستان"وما هي سوى بضعة أسابيع حتى استعرت الحرب وتصافحت الصوارم القواطع .. وانبرى أبناء الورى يذودون عن حمى الله أكبر، وصبر المجاهدون وتجلد الموحدون، وسالت الدماء الزكية، ولسان أصحابها يردد ... {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169)
وبعد مؤامرة خبيثة وخيانة مزرية عظيمة سقطت كابل ... ولم يجد شهيدنا سوى الانحياز مع البقية، ويلقي بعصا ترحاله في خوست، التي تابع منها مشوار الغربة، واستقر به المقام بين مضارب القبائل البشتونية ..
قومٌ كرام لا يضام نزيلهم ... وحماهم حام من الأعداء
صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني الأخ حمزة الأسترالي:"ذا شخصية جذابة وسعيدة، مخلصًا لله في عمله، دائم البسمة محبًا للمزاح مع إخوانه الغرباء بدينهم، ذا قلب كبير ومجاهدًا عظيمًا ..."
وأضاف الأخ سراج الوهاج الحضرمي قائلًا:- كان رحمه الله: صاحب همة عالية، ولياقة بدنية جيدة، حريصًا على كل دقيقة من وقته، حريصًا على معرفة أسماء الله وصفاته، ذا نهم عجيب في طلب العلم، خادمًا لإخوانه، لا يترك قيام الليل خاصة في رمضان ..""
وبين جبهات القتال صال، وجال، وراح، وغدا في مرضاة الله .. وبعد طول تنقل وترحال، استقر به المقام في جبهة زابل التي شهدت رحيله إلى العالم الآخر، وهنا لا يسعني إلا أن أترك الأخ سراج الوهاج ليحدثنا عن آخر أيامه وكيفية مقتله قائلًا:-"تحرك مختار مع مجموعته القتالية، ويمم وجهه شطر زابل، وكان في أشد الشوق إلى ملاقاة أعداء الله .. وتصرمت الأيام مسرعة وهو مرابطٌ في تلك المرابع، وهنا شاع خبر وجودهم، وراحت عيون الصليب تبحث عنهم .. ولم يمض سوى عدة أيام حتى استطاعت عيون البائعين دينهم بثمن بخس دراهم معدودة من تحديد مكانهم، وعلى وجه السرعة تحركت جحافل نتن الزمان واستطاعت محاصرة القرية، وراحت طائرات ورثة الروم تجوب السماء .. وسرعان ما استنفر مختار وبقية الركب وقد استل رشاشه البيكا وما أن اقتربت الطائرات من الأرض حتى راح يلاعبها بسلاحه، ولم يكن في تلك المرابع سواتر طبيعية .. وهنا استل ربان الطائرة سهمًا صليبيًا، ورمى به عاشق الشهادة .. وزُفّ الباحث عن الدين الحق إلى الحوراء التي طالما تغنى بذكر محاسنها .. وهناك نعى التوحيد الخالص ابنه، ولقد حدثني الأخ أبومالك النجدي الذي شاركه تلك المعمعة أن مختار رأى في منامه قبل مقتله بأيام، بأن العلوج الأمريكية ستنال منه وسيرحل على أيديهم إلى بارئه، وقد كان ما قد رأى، وبذلك تحقق تأويل الشيخ المجاهد أبي قتادة الفلسطيني لرؤيته بأنه سيلقى الله شهيدًا ..."
وحُقّ لنا أن نردد في وداعه ...
وما مات ذاك الماجد القرم وحده ... بل الجود والإقدام والبأس والصبر