فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 308

وقد حدثني الشيخ ابو الوليد الأنصاري عنه قائلًا:-"لما سُجنَ رحمه الله كانت زنزانته ثلاثة أمتار في مترين، وكان كثيرًا ما يلفها مشيًا، وهو يردد ما يحفظه من علوم دينية، وما ذاك إلا طمعًا في المحافظة على لياقته البدنية وعدم إصابة ركبتيه بالأمراض .."

وبعد ثلاث سنوات قضاها تحت ذل القيد خرج بضمانة، ولم يلبث طويلًا بعيدًا عن مدرسة يوسف فقد أُعيد مرةً أُخرى إلى تلك الزنازين التي غدت جزءًا من حياته ...

وأمام ذاك الواقع الأليم، وتلك المصائب الجسام، وذاك التضييق الذي لا حدَّ قرر شهيدنا بعد خروجه من السجن مع بعض رفقاء الهجرة من مسقط الرأس متأسيًا بأبيه ابراهيم الخليل عليه السلام .. {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (الممتحنة: 4)

حزم المهاجر بدينه حوائجه، ويمم وجهه قاصدًا قرة العين ومبهج النفس ومهوى الفؤاد مكة المكرمة، وكان ذلك في عام 1997 وحج سنته تلك، وتزامن ذلك مع امتداد حركة طالبان وسيطرتها على كابل والعديد من مدن أفغانستان وتطبيقها لشريعة الرحمن، وسرعان ما تنامى الخبر إلى مسامع المهاجر بدينه، وما لبث أن قصد تلك البلاد المباركة بتطبيقها لشريعة رب العباد ...

وهناك في عرين الأُسود ومورد الصفاء ودار التوحيد بدأ مشواره الجديد، وأسس جماعته الموحدة"حزب الإسلام التركستاني"

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم

وبين ربوع تركستان ترامى الخبر إلى مسامع الشباب الموحد العائد إلى ربه والمتعطش لإرواء ظمئه من الجهاد خبر الداعية أبي محمد وتأسيسه لجماعته الموحدة .. وعلى أجنحة الشوق بدأت أسراب الموحدين المهاجرة بالتوافد على قصعة الخير التي وضع لبناتها الشيخ المهاجر، وراحت تعد العدة هناك في قلعة الإعداد معسكر خلدن العتيد وأخذ يشرف بنفسه على تدريب الطيور المهاجرة إلى ربها وتعليمها تعاليم دينها الحنيف، ويعدها روحيًا لخوض غمار المعامع القادمة مع الكفر العالمي ...

ومن طلب الفتح الجليل فإنما مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم

وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام

وهناك في الشمال الأفغاني وحول ثغور كابل خاض ليوث التركستان العديد من المعامع ومضى الكثير إلى ربه ..

ولم تلن لأبي محمد قناة ولم تفتر له عزيمة، بل كانت تلك الدماء التي تدفقت رافدًا له وحافزًا على تقديم المزيد في هذا الطريق الشاق الوعر ..

تصرمت الأيام مسرعةً لتسوقني خطاي هناك في كابل لألتقي بهذا الطود الشامخ وكان لقاءً طيبًا مع هذا الداعية الغريب ...

هو الكنز للعرفان والكف للندى ... هو الحلم والمعروف والخير والبر

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله:"ذا تواضع جمّ، دائم البسمة، تعلوه هيبة العلماء الموحدين .. ونترك نائبه الشيخ عبد الحق التركستاني يحدثنا عن أخلاقه قائلًا: كان رحمه الله صاحب صبر عجيب، كريم النفس، عالمًا بكتاب الله، شجاعًا في ميادين القتال، سخيًا صاحب أدب رفيع وحياء كريم .. حريصًا على سنة الحبيب المصطفى ?، وقد حدثني الشيخ ابو الوليد الأنصاري عنه:"أنه قد أسرَّ له عن رغبته في كسر حدَّة التعصب المذهبي التي تربى عليها أفراده في تركستان، ولم يلبث أن أرسل له اثنين من طلاب العلم ليطلبا العلم على يديه.""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت