جوازات السفر ... توالت الأيام مسرعة لتحطّ به على أعتاب يوم مبارك ففي ذاك اليوم، وفيما كان منشغلًا بعمله كان الحوار على أشده قائمًا بين ملتزم بتعاليم الدين الحنيف ولكنه مطموس البصيرة، وبين تائه في دنياه، منغمسٌ في شهواته، ولكنه سليم الفطرة سوي العقل لم تتلوث فطرته بفتاوي وضلالات علماء التسول الزائغين عن الحق الجلي البين ...
وفي ذاك المشهد الفريد، الذي كان له الأثر البالغ على استقامة أبي محمد، وتبصره طريق الحق، أقول: في ذاك المشهد قام صاحب الفطرة السوية بشتم عالم التسول بائع الدين بفتات الدنيا وحطامها الزائل"عبد الرحمن السديس"، وما ذاك الشتم والسباب إلا لقيام خطيب الحرم المكي المتسول النائح، بالبكاء على جيف علوج الصليب الأمريكي، والترحم على قتلاهم الهلكى ...
وما أن طرقت تلك الكلمات التي رددها التائه، مسامع ذاك الملتزم المطموس البصيرة، حتى بادره قائلًا:"أنت نظرتك قصيرة أيها التائه، والعلماء هم أصحاب النظرة البعيدة الأفق .."
باعوا بصائر دينهم وشروا به ... خسرًا يدوم وما كذاك المكسب
وبعد الحوار، قال أبو محمد مخاطبًا نفسه:"سبحان الله .. ! كيف هذا العامي يقول ذلك وهو تائه، وهذا الملتزم المطوع يدافع عن أولئك الذين يترحمون على جيف قتلى العلوج من الأمريكان .. ؟!"
ومنذ ذاك اليوم المشهود، بدأت بذرة الخير الرباني تنمو في قلب ابن القصيم، التي سرعان ما آتت أُكلها، ونفرت بصاحبها إلى ميادين العز والفخار على صيحات الله أكبر، وقد ارتطمت طائرات صقور التوحيد بنواطح الصليب، هناك في منهاتن وأحالوها ركامًا فوق ركام ...
بادوا جميعًا وما شادوا فوا عجبًا ... للخطب أهلك عُمّارًا وعُمرانا
هذي قصورهم أمست قبورهم ... كذاك كانوا بها من قبل سكانا
حطّ أبو محمد رحله في بلاد الروافض"ايران"، وهناك فوق تلك الربوع أطفأ لهيب آخر سيجارة بيده، وسرعان مايسر الله له أمر العبور إلى قرة عينه"أفغانستان"، والتحق ببعض مجموعاتها التي تقاتل على أمر الله، وأعد في منزل تابع لها واستعدّ، ولم يطل البقاء بعد ذاك الإعداد الأولي، فقد آذنت شمس كابل بالأفول ... فبعد بضعة أسابيع من الصبر والمصابرة، والدماء والأشلاء ..
وبعد أن أعملت الخيانة معولها الآثم في جسد حركة الطالبان، سقطت كابل وسلِّمت مفاتيحها، وسرعان ما تبعتها بقية مدن الإمارة الإسلامية التي كانت عامرة بذكر الله ...
درست للهدى مدائن علم ... ونعوا باكيًا بها المتمدن
وبكت التقى مساجد تقوى ... خاب فيها مقيمها والمؤذن
وأمام ذاك الواقع المرير المؤلم، لم يجد ابن القصيم سوى الرحيل إلى باكستان، على أمل متابعة رحلة العودة إلى مسقط الرأس ...
تصرمت الأيام مسرعة، وأسر القائد أبو زبيدة الفلسطيني ليتعطل بذاك الأسر المحزن سفر أبي محمد ..
ولم يمض كثير وقت على أسر أبي زبيدة، حتى وقع أبو ياسر الجزائري في قبضة أبناء الردة، ليتلاشى بأسر أبي ياسر أمل ابن القصيم في العودة إلى مسقط رأسه القصيم ..
وهكذا شاءت الأقدار الإلهية لهذا الليث الهمام أن يعود أدراجه إلى رواسي غرباء آخر الزمان، بعد أن ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وكان الخير كل الخير فيما قدر الله له ...