وفوق بحور من المصاعب سارت سفينة خطاه لترسي به بعد طول سفر في ميناء الغرباء، حيث الآساد رابضة تنتظر الأمر بالانقضاض على علوج الصليب الأمريكي ..
وهناك في مواطن القتل والقتال، بين أسود الوغى، رهبان الليل، أعدّ العائد الجديد واستعدّ، ولم يمض كثير وقت على فراغه من الإعداد، حتى علت صيحات الله أكبر ياخيل الله اركبي .. وهنا استل أبو محمد صارمه البتار، وقصد مع الركب الرباني تلال شنكاي، التي تحوي بين جنباتها أهل الردة والنفاق ...
وفوق تلك التباب أبلى ليوث التوحيد بلاءً قلما يجود الزمان بمثله، وأعملوا سيوف غضبهم في رقاب أحذية اليهود والنصارى، وسرعان ما عاد الركب مظفرًا إلى عرينه، تزينه نياشين النصر، وتعلوه أوسمة الفتح ...
غادرت القوم صرعى في فنائهم ... وآية النوح تتلى في نسائهم
صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله كما حدثني بذلك الشيخ أبو الليث الليبي:"موقرًا جدًا لكبار السن، خادمًا لإخوانه يعطيك ما ترجو قبل أن تسأل، شغوفًا بكتاب الله حافظًا له، ذا همة عالية .. وأضاف رفيق دربه الأخ لقمان المكي قائلًا: كان رحمه الله صوامًا ليومي الخميس والاثنين، قائمًا لليل كثير القيام والناس نيام، ذا يد كريمة، شجاعًا مقدامًا لا يهاب الردى .. لا يسكت عن منكر يراه، حافظًا لكتاب الله مع العلم أنه عندما نفر إلى الجهاد لم يكن يحفظ سوى القصار من السور .."
توالت الأيام مسرعةً، وبدأ الإعداد لغزوة شنكاي الثانية التي شهدت زفاف الكثير ممن عرفناهم إلى حواريهم .. فبعد أن أعدّ الآساد عدتهم، تحرك وفد الله تحت جنح الظلام قاصدًا تباب شنكاي، وكله أمل بسحق هامات تلك الثلة الخائنة، التي ارتضت أن تكون أحذيةً قذرة في أقدام الصليبيين يذود بها العلوج إن حمي الوطيس ..
وما هي سوى ساعات على المسير المبارك، حتى حطّ الوفد رحله في المواقع المعدة له مسبقًا هناك تحت تباب شنكاي .. ومع انطلاق صيحات الله أكبر من الأفواه المتوضئة، تقدمت الليوث، وزأرت أسود الرحمن، واقتحمت معاقل الردة والخيانة، وأعملت صوارمها في نحور من صادف وجوده فوق تلك التباب ...
سقطوا صرعى عليهم غبرة ... من قتام البغي تخزي الظالمين
ومع انبلاج ضوء شمس ذاك اليوم تكشفت المواقع، وبان أسود التوحيد، وانكشف ظهرهم لأعوان الشيطان المتحصنين في جحور الخيانة والغدر ..
وبين مواقع العدا المحررة، أصيب الفتى القصيمي في مقتلٍ، وخر على وجهه فرحًا مستبشرًا بنيل تلك الشهادة التي طالما تمناها العاملون لهذا الدين ولم يحظوا بشرفها ... ومع غياب شمس ذاك الوجه الكريم أسدل الستار على آخر فصل من فصول حكايته الدامية ... وحُقّ لأبناء القصيم، ورواده أن يبكوا سيدهم الراحل أبا محمد المزيني ..
فإن غبت عنا فالنجوم غوائب ... وإن زلت عنا فالجبال زوائل
وما أنت مقتول وذكرك خالد ... بل أنت لمن ظل بعدك قاتل