فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 308

حزم ابن القاهرة حوائجه، وما هي سوى ساعات، حتى وطأت قدماه مطار روما، وما هما سوى يومين، حتى ساق الله إليه ثلة مباركة من أتباع الحق، سرعان ما أخذوا بيده إلى معاقل الخير مساجد الله، التي داوم في التردد عليها كلما فرغ من عمله ..

وهناك بين أروقة مساجد الرحمن، حفظ الكثير من كتاب الله، وغاص في بحر السيرة النبوية العطرة ينهل من معينها الصافي، وعن تلك الفترة قال رحمه الله:"لقد ذهبت إلى بلاد الكفر، وكان كل شيء مهيأ لي ومتاحًا، ولكن الله أنار قلبي حيث كنت في شوارع ايطاليا، وما أستطيع النظر يمنة ولا يسرة من الفساد المستشري هناك فالناس كأنهم في حديقة حيوانات .. فهذه الحرية التي ينادون بها .."

وهكذا .. ، وبعد أربع سنوات قضاها شهيدنا في ميادين الجاهلية، وقف أبو يحيى مع نفسه وقفة صدق، بعد أن جمع من المال ما جمع، وبعد أن أزِفَ موعد العودة إلى مصر ... وقف مع نفسه وراح يخاطبها متسائلًا:"كيف أرجع إلى مصر وأنهمك في الحياة، وأتعرض للفتن التي فيها، وأنشغل بالدنيا، بعد أن بصَّرني الله طريق الحق، ودرب الهداية ... ؟!"وفيما كانت التساؤلات تغزو مخيلته، كانت صيحات الحق تنطلق من حنجرة الداعية الرباني الشيخ عبد الله عزام بوجوب نصرة الجهاد والمجاهدين في أفغانستان بالنفس والمال.

وأمام تلك الدعوات الربانية، وبعد طول صراع مع النفس الراغبة في العودة إلى مصر الكنانة، عزم شهيدنا على الهجرة إلى تلك المواطن التي يحبها الله ورسوله ..

حزم عاشق الجهاد حوائجه، وبما جمع من مال وادخره أعدّ نفسه لرحلة الهجرة، وعلى بركة الله سارت سفينة خطا المهاجر الغريب، وبعد طول سفر حطّ المهاجر رحله في ميادين بيشاور، وكان ذاك في سنة 1986، وما لبث أن غادرها قاصدًا معسكر صدى فأعدّ فيه واستعدّ .. ، وهناك بين تلك الميادين علا كعبه، وبزغ نجمه، وسرعان ما التحق بالطاقم التدريبي للمعسكر كمدرب للآساد القادمة للذود عن لا إله إلا الله ...

ويكون أول مَن يلبي إن دعا ... داعي العلى في الفتية الأمجاد

وهناك بين تلك المرابع التي تتغشاها ملائكة السماء، صال شهيدنا وجال، ولطالما داعبه شيخه الراحل عبد الله عزام بقوله عندما يناديه"يا عدو ايطاليا".. ، ولطالما مازحه قائلًا:"إن شاء الله عندما نفتح روما تكون أنت الوالي عليها"...

توالت الأيام الأيام مسرعة، وشهيدنا على حاله تلك مدربًا لأبناء التوحيد الغيارى على دينهم في تلك الميادين الكريمة .. ، وفي يوم من أيامه المشهودة، أرسل له الشيخ عبد الله عزام رسالة وبداخلها قيمة تذكرة سفر إلى مصر - رحلة ذهاب وإياب -، حتى يتسنى له زيارة اهله ثم العودة ثانية إلى معاقل الرجال .. ، وما أن تسلم أبو يحيى الرسالة واطلع على ما فيها، حتى ردد قائلًا لمن أتى بها"أنا ما أتيت هنا لأرجع إلى بلاد الفتن .."

ولا ينال المجد إلا ابن همة ... أبت أن يكون الصعب في نفسه صعبا

سارت عجلات قطار الزمان مسرعة، لتحطّ بابن القاهرة على أعتاب يوم الجمعة الحزينة الدامية .. ففي صباح ذاك اليوم، وفيما كان أبو يحيى منتظرًا هناك في مسجد سبع الليل قدوم داعية الخير الإمام الفقيه عبد الله عزام لإلقاء خطبة الجمعة، دوّى صوت انفجار هائل مزق سيارة عبد الله عزام، وأحال أجساد أبنائه إلى أشلاء متبعثرة في كل أرجاء المكان ...

وبدأ أبناء التوحيد بالتسابق للوصول إلى مكان الانفجار، وهناك لمح أبناء الهجرة والجهاد شيخهم يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأمام تلك الصدمة لم يجد الشباب الموحد سوى أن يضربوا على أيديهم مرددين"انتهى الجهاد قتل الدكتور عبد الله عزام .. خلاص"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت