انتهى الجهاد .."وراحوا يسيرون في الشوارع البيشاورية كالأيتام الذين فقدوا آبائهم ... وهنا، وفي تلك اللحظات العصيبة، وقف أبو يحيى وكله إيمان بقضاء الله وقدره وراح يخاطب الجموع المباركة قائلًا:"إن الجهاد لم ينته ولن ينتهي، وليس الجهاد متعلقًا بحياة شخص، حتى إذا ما قتل هذا الشخص انتهى الجهاد، ثم أردف قائلًا: استغفروا الله، والجهاد ماض إلى يوم القيامة ..""
ثبت الجنان تراع من وَثْبَاتِه ... يوم الوغى وَثَبَاتِه أُسد الشرى
وعلى الرغم من انشغال شهيدنا بتدريب المهاجرين إلى الله، إلا أن ذلك لم يحل بينه وبين ممارسة فريضة القتل والقتال ونزال الأبطال في ميادين الحتوف، وساح المنايا .. فقد شارك عصب الموحدين قتالهم هناك حول ثغور كابل، وكان له دورٌ بارزٌ في فتح خوست بجانب الشيخ أبي الحارث الأردني، ولطالما أمطر قلاع الشيوعيين بقذائف غضبه، وأرداهم صرعى في جحورهم، كما حدثني أميره أبو الحارث الأردني ...
وبعد ما يزيد عن ثلاثة عشر عامًا من القتل والقتال، سقطت كابل بأيدي المجاهدين، ولكن فرحة النصر لم تكتمل، فقد أنشبت الحرب أظفارها بين الأحزاب المتناحرة الطامعة في عرش كابل ...
وهنا انحاز ابن مصر ونأى بنفسه عن تلك المأساة، واعتزل برفقة ثلة من غرباء آخر الزمان - على رأسهم القائدان الأسيران ابن الشيخ الليبي وأبو زبيدة الفلسطيني - تلك المعامع الطاحنة، واقتصر دوره هناك في معسكر خلدن على تدريب جند الرحمن القادمين من بقاع شتى ...
وفيما كانت رياح التدريب تمسي به وتصبح، كان أبو يحيى على موعد مع الاقتران بسيدة مهاجرة من سوريا الشام، سرعان ما شاركته مشواره الدامي، ومنّ الله عليه منها بطفلة أدخلت السرور إلى قلبه المفعم بجراحات المسلمين ...
صفاته وأخلاقه: كان رحمه الله كما قال الشاعر العربي:
صافي السريرة لم يرغب أذى بشر ... ماضي العزيمة مثل السيف قد قطعا
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أترك الحديث لأقرب الناس له زوجه التي شاركته السراء والضراء، لتحدثنا عن هذا الجبل الأشم: كان رحمه الله:"رجلًا صبورًا، يدفع السيئة بالحسنة، ويعفو عن الناس، وطوال خمسة وعشرين سنة أي منذ أن غادر مصر لم يعمل مشكلة مع أحد ... ولتواضعه وقلة اختلاطه بالناس، كان القليل من الناس من يعرفه، فكان إذا ذهب إلى مضافات بيشاور أو كابل لم يعرفه إلا النادر من الإخوة، ولم يهتم به أحد الاهتمام اللائق بسنه وهجرته وجهاده، والكثيرون كانوا يسألون عمن يكون هذا الوافد أو الضيف الجديد، وقد كان بحق نِعم الزوج، وكان لي الأب والأخ والزوج ..."
وفي صباح يوم الثلاثاء المبارك، وبعد عقود من الذلة والمهانة غلفت واقع المسلمين، وفيما شهيدنا منشغلًا بأعباء الهجرة، كان ليوث التوحيد صنّاع المجد على موعد مع تحطيم اسطورة الصنم الذي لا يقهر"امريكا"التي أذاقت الأمة المحمدية الويلات تلو الويلات ...
ففي صباح ذاك اليوم المجيد ارتطمت ثلاث طائرات يقودها عصبة من ليوث الوغى بشوامخ التثليث النصراني ونواطحه التي تحارب الله ورسوله، وأحالت تلك المآثم قصصًا وحكايات، يتسامر بها عشاق المجد الشيطاني البغيض ...
صواعق من سحب الدخان تدكها ... وتنسفها نسف الزلازل للهضب
غدت ترتمي فيها عشيًا وبكرة ... فلا يابسًا أبقت ولم تبق من رطب