فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 308

ولم يكن أمام أبي يحيى سوى الانحياز مع العصبة المتبقية والأسى يلفه، والغصص تنهش جسده على فراق دار القرآن ومقر التوحيد، وغدت قندهار خاوية على عروشها تبكي حال المهاجرين إليها ...

سار الركب تحفه عناية الرحمن، وحطّ رحاله بين رواسي شاهي كوت الشامخة، ومنها تابع شهيدنا مشواره ليجد نفسه بين أبناء القبائل البشتونية البررة ... وفي تلك المرابع الطيبة كان اللقاء الأول بهذا الغريب المهاجر ..

صفاته وأخلاقه:- كان رحمه الله كما حدثني بذلك رفيق دربه الأخ زهير المغربي:"هادئ النفس صبورًا مصابرًا مولعًا بخدمة إخوانه، يألف الناس ويألفونه، صاحب يد وعطاء، ذا تواضع جمّ، صوامًا عاملًا بصمت بعيدًا عن الأضواء وحب الظهور .."

وهناك بين الرواسي الشامخة، بدأ الليث المغربي مشواره اميرًا لإداريات ما عرف لاحقًا بقلعة بيرمل ..

تصرمت الأيام مسرعة وآذنت شمس بيرمل على الأفول، وانتقل الغرباء واستقر بهم المقام في مناطق القبائل الأبية، وهناك وفي إحدى القلاع العتيدة تسلم أبو يحيى إمارة إحدى المجموعات القتالية، وسرعان ما ارتقى به المقام وعين أميرًا عامًا لإداريات الغرباء في مناطق القبائل ...

أعز بني الدنيا وليث إذا انبرى ... كأنك نصل والشدائد للنصل

مقيم مع الهيجاء في كل موطن ... كأنك من كل الصوارم في أهل

وبعد طول خدمة انتدب الليث الهزبر ليكون مع تلك الثلة التي أنيط بها مقارعة أهل الردة والنفاق، هناك حول مرابع خوست، ومضت القافلة على بركة الله لتحطّ رحالها بين يدي الشيخ أبي الليث الليبي، لتبدأ الغزوات المباركة تتوالى، وذاق أهل الردة والنفاق كأس العلقم ومرارة الحنظل في دبكاي ومن ثم شنكاي الأولى ... وشارك أبو يحيى أبناء الوغى عشاق الشهادة ذاك العطاء المبارك وذاك المجد المؤثل ...

تسارعت الأحداث وتوالت الأيام، وبدأ التدريب لغزوة الرحيل شنكاي الثانية .. وما أن أكمل أبناء التوحيد إعدادهم حتى انطلق الركب تحفه عناية الرحمن، وتزين أفقه أطياف الفتح وحلاوة الشهادة ... وبعد طول مسير حطّ الآساد رحالهم وأخذ كل موحد موقعه وراح ينتظر ساعة الانقضاض على جموع الردة ومجاميع الخيانة ..

ومع بزوغ فجر ذاك اليوم المشهود، اقتحم الآساد ساح المنايا وتقدم أبو يحيى لا يثنيه شيء، ولا يقف في وجهه حائل، وبين تلك التباب بقي جسد المهاجر الغريب مسجى شاهدًا على غربة هذا الدين.

وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر

وصلى الله وسلم على نبي المرحمة والملحمة، الضحوك القتّال، وعلى أهل بيته أجمعين، ورضي الله عن صحابته والتابعين وأتباعهم بإحسان الى يوم الدين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت