ولم تمض سوى عدة أشهر على حلوله ضيفًا على أهالي جُمل حتى تمّ استدعاؤه وتعيينه أميرًا لأُسود الشرى الراحلين إلى ولاية زابل ... وعلى وجه السرعة انطلق يُعد العدة، ويجهز ليوثه لينطلق بهم إلى العالم الجديد حيث الخيول تنتظر فرسانها ..
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأُخرى تعلك اللجما
وعلى بركة الله مضى الركب، وبعد طول سفر حطّ رحاله بين إخوانه الطلبة، وهناك شارك أبناء الجهاد جهادهم .. ومنّ الله عليه بعدة عمليات ناجحة، وفي إحدى غدواته تلك أُصيب ابن الرشيد، وسرعان ما تم نقله إلى إحدى المستشفيات للعلاج، ولم تمض سوى بضعة أسابيع حتى اشتاقت روحه الأبية إلى قراع العوادي وصليل السلاح وحمحمة الجياد ...
تصرمت الأيام مسرعة، وبدأت تلوح في الأُفق علامات الرحيل، وطيّ صفحة البلاء والمحن .. واقتربت الساعة التي طالما تمناها أبو أسامة، ففي ليلة ظلماء ترامى إلى مسامع الصليب عبر عملائه المزروعين في كل مكان من تلك الأرض خبر وجود المجاهدين في أحد المنازل .. وهنا تحركت جموع الجاهلية واقتحمت تلك القرية الوادعة بطيب سكانها، وعلى وجه السرعة تحرك أبو أسامة من المنزل مع بقية الركب المهاجر .. إلا أن الله أبى إلا أن يصطفي تلك الزهرة اليانعة من بيننا، ويتخذها من بين أبناء التوحيد .. وما هي سوى لحظات حتى أقبلت طائرات الصليب تزرع الأرض رعبًا ونارًا، وانبرى الأسد الهمام مختار الكاريبي وراح يلاعبها بسلاحه الرشاش وبجواره شهيدنا يشاركه تلك الواقعة .. وهنا انطلقت صواريخ التثليث لتقتلع من بيننا تلك الزهرة .. وهكذا أُسدل الستار على صفحة مشرقة من صفحات المجد الخالدة ومضى أسامة وهو يردد ..
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
وما أن فاضت الروح كما أخبرني شاهد ٌ على رحيله - الأخ أبو مالك النجدي - حتى فاح المسك وعبق في الأنوف، وبقيَ علامة وآية على أنه جهاد حق، وطريق قويم مفضٍ إلى جنات الخلود ...