وبعد تلك الماحقة التي حلت بورثة الروم، أقبلت جحافل الصليب، وسرعان ما أحاطت بإمارة أفغانستان الإسلامية .. ولم يمض سوى بضعة أسابيع على ذاك الحشد الجبان حتى أنشبت الحرب أظفارها، واشتبكت الصوارم، وتصافح السنان .. وانبرى ابن مصر يذود مع الموحدين عن ثرى الله أكبر، وبعد طول تضحيات وصبر مرير ودماء وأشلاء، سلمت قندهار مفاتيح عزها، وانحاز أبو أمامة إلى باكستان، ومنها واصل إلى إحدى الدول المجاورة ... وهناك بين أعطاف المدنية الزائفة ضاقت نفسه الأبية التي اعتادت على الحرية والعزة والشموخ، وراحت تنظر ذاك اليوم الذي تفر منه إلى ميادين الهجرة والجهاد ... ولم يمض كثير وقت حتى تحقق مناه، فقد شاء الله له ان يحزم حقائبه وييمم وجهه قاصدًا شوامخ خراسان لنزال علوج الأمريكان ولسان حاله يردد ....
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
وبعد طول رحلة حطّ مركب المهاجر في ميناء غرباء آخر الزمان .. ولم يطل البقاء فقد تم انتدابه للرحيل إلى جلال آباد ليقود الآساد الرابضة هناك برفقة أخيه أبي الحسن المصري ....
وفوق بحور المخاطر سار مركبه الغريب الذي حطّ به في مرسى الأمان بعد طول مشقة وترحال ..
وهناك كان نِعم الأخ لإخوانه، ونِعم الأمير لرعيته التي غدا أميرًا عامًا عليها بعد سفر أميره ... ولم يتفيأ أبناء التوحيد هناك ظلال كرمه طويلًا .. فقد أبت عيون الشيطان إلا أن تحرم أُمة الإسلام من أمثال هذا الطود المهاجر إلى ربه .. فلم يمض كثير وقت على وصوله حتى تنامى خبره وبقية العصبة إلى آذان علوج الصليب الذين سرعان ما أقبلوا بخيلهم وخيلائهم، وأحاطوا بتلك البقعة الطيبة التي حوت بين جدرانها تلك الثلة المباركة .. وما هي سوى دقائق حتى زأرت الأُسود وشُرعت الأسنة، وتقابل الزحفان وصمد الليوث في وجه عاصفة الشيطان حتى أقبلت رصاصات غدرهم، واخترقت جسد المهاجر ابن الكنانة أبا أُمامة لترحل بتلك الروح العابدة إلى ربها، وتزف صاحبها إلى الحوراء التي طالما تمنت عناق سيدها إن شاء الله ...
قد كنت تغزو الروم خير مجاهد ... ويدوس منك على الحصون جواد