... وخرج البطريق بمال كثير لم ينفق منه شيئًا في افتداء يتيم أو مسكين وأشار البعض على صلاح الدين بمصادرة ماله فرفض في شدة وقال: لا ، ما كان لنا من حق في أموالهم إلا العشرة دنانير وغيري من يغنم المال عن طريق الغدر: دعوه يخرج به ذلك لك هو صلاح الدين في قمة شجاعته الحربية وقمة وفائه ، بل إنه عندما فرض ملكا الإنجليز والفرنسيين في حصار عكا أرسل إليهما الثلج والفاكهة والطبيب ، وأهدى إلى ريتشارد جوادين عندما رآه يقود جموعه راجلًا .
... وكان صلاح الدين قد بذل جهودًا ضخمة متصلة حتى حقق هذا النصر ، وكان أول عمله أن وحد الجبهة كلها وكتلها لمقاومة الصليبيين وعزل الأمراء المتنازعين وتنقل في بلاد الشام يدعوا إلى الوحدة مؤمنًا بأن الشام هي أصل بلاد الشام وقد زار الرها وبرقة ونصيبين ، وقد قاوم الصليبيين هذا العمل بجهود مضاعفة وبذلوا في سبيل معارضته وتحطيمها كل ما لديهم من أموال وإغراءات فقد أسرع الصليبيون فعقدوا مع بعض أمراء الموصل وحلب اتفاقات للوقوف في وجه تكوين جبهة عربية موحدة ولكن صلاح الدين استطاع عام 579هـ أن ينجح في جمع الشمل وأن ينسف كل الصخور التي كانت تقف في سبيل ذلك .
... ولا شك كانت طبيعة صلاح الدين المؤمنة عاملًا قويًا من عوامل الظفر الذي كسبه في معارك الحرب ومعارك التمهيد والتوحيد والتجميع ، وظل صامدًا للأحداث يؤمن طريقه ويمضي على أسلوبه في الوفاء بوعده وكان يقول:"إني لأستحي من الله تبارك وتعالى أن يراني ناقضًا للعهد ، وأني لأستحي من نفسي أن أكون كاذب الوعد وما النصر إلا من عند الله".
... وقد عامل الفرنجة خير معاملة عندما وقع معهم شروط الرحيل عن القدس وترك لهم المدينة حتى لا يؤذي شعورهم وأعفى من الضريبة سبعة آلاف عجزوا عن الدفع وعندما أخذوا في بناء سور القدس اترك في حفر الخندق ونقل الحجارة على عاتقه .