وصلنا في المحاضرة السابقة إلى موضوع اختلاف الأساليب في القرآن وقررنا أنه ليس على نسق واحد واليوم نوضح هذه الفكرة ، لا شك أن الباحث الناقد والمفكر الحر لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كتاب أدبي آخر يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين لا يربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة وتأثير بيئات متباينة فمثلًا نرى القسم المكي منه يمتاز بكل ميزات الأوساط المنحطة كما نشاهد في القسم المدني أو اليثربي تلوح عليه أمارات الثقافة والاستنارة ، فإذا دققتم النظر وجدتم القسم المكي ينفرد بالعنف والقسوة والحدة والغضب والسباب والوعيد والتهديد ، ويمتاز كذلك بقطع الفكرة واقتضاب المعاني وقصر الآيات والخلو التام من التشريع والقوانين ، كما يكثر فيه القسم بالشمس والقمر والنجوم إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الجاهلية الساذجة التي تشبه بيئة مكة وانحطاطها ، أما القسم المدني فهو هادئ لين وديع مسالم يقابل السوء بالحسنى ويناقش الخصومة بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين ، كما أن هذا القسم ينفرد بالتشريعات الإسلامية كالمواريث والوصايا والزواج والطلاق والبيوع وسائر المعاملات ، ولا شك أن هذا أثر واضح من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن ] .
... ويقول الدكتور عبد الحميد سعيد: فكأنه يريد القول صراحة إن القرآن مأخوذ من التوراة ومما جاء به قول طه حسين: ليس القرآن إلا كتاب ككل الكتب الخاضعة للنقد فيجب أن يجري عليه ما يجري عليها والعلم يحتم عليكم ( على الطلاب في كلية الآداب ) أن تصرفوا النظر نهائيًا عن قداسته التي تتصورونها وأن تعتبروه كتابًا عاديًا لتقولوا فيه كلمتكم ، ويجب أن يختص كل واحد منكم بنقد شيء من هذا الكتاب ويبين ما يأخذه عليه .