فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 600

... وما تزال الحضارة المعاصرة انطلاقًا من هذا التصور الفكري الذي عزل نفسه تمامًا عن مفهوم الدين الحق وعن مفهوم الإسلام نفسه كمنهج حياة يقوم على أساس العدل والإخاء البشري والرحمة والسماحة والعطاء ، ومن ثم فقد أحدث تلك الآثار الخطيرة التي تعيشها البشرية اليوم حين حجبت تمامًا منهج الدين السماوي المنزل واندفعت وراء الفكر البشري الذي انطلق من أهواء الفلاسفة وأحقاد العلمانيين الذين حاولوا أن يرسموا للبشرية منهجًا مختلفًا يقوم على أساس نظريات دارون وفرويد وماركس في تصور للإنسان بأنه من سلالة القرد وأنه خاضع لشهوتي البطن والفرج وأنه حيوان ناطق له حريته المطلقة في المطامع البشرية والجنسية والاندفاع وراء اللذات إلى أبعد الحدود .

... وفي خلال هذه التجربة الخطيرة منذ عصر النهضة الأوربية 1500م تقريبًا وإلى اليوم في هذه القرون الخمسة واجه الفكر البشري ضربات صاعقة وهزائم شديدة وأزمات مريرة أكدت للناس فشله وعجزه ، وقصوره عن العطاء الحقيقي للنفس الإنسانية المتطلعة إلى الجمع بين روحها وماديتها وبين قلبها وعقلها وبين دنياها وآخرتها ، فقد استعلت بالمادة والعقل واندفعت من خلال منهجيها الرأسمالي والماركسي ، فلم تحقق إلا ذلك الاضطراب العالمي الخطير الذي يتحرك فيه العالم اليوم حين أقام نظامه على الاقتصاد الربوي والقانون الوضعي وعلى العلمانية والمادية والإباحية .

... أما نظرية دارون التي كانت القاعدة الأساسية لكل الفكر المادي والفلسفة المادية فقد لقيت هزائم شديدة مضطردة أكدت فسادها وعجزها عن إقناع الناس بها - سواء من خلال الدراسات الأكاديمية العلمية ، أم من خلال الحفريات التي كشفت عن أن الإنسان قبل ملايين السنين كان منتصب القامة كما هو الآن ، وأنه خلق من جنس مستقل غير مختلط بأجناس أخرى ، هذا ما يقرره العلماء التجريبيون منذ أكثر من ثلاثين عامًا وما تزيدهم الحفريات والأبحاث إلا تأكيد له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت