أولًا: إن تطوير الفصحى حتى تقترب من العامية ، هي دعوة مريبة ترمي إلى التحلل من القوانين والأصول التي صانت الفصحى خلال خمسة عشر قرنًا أو يزيد ، فإذا تحللنا من هذه القوانين والأصول التي صانت لغتنا خلال هذه القرون المتطاولة كان نتيجة ذلك تبلبل الألسنة واتساع رقعة الاختلاف بين الأقطار العربية حتى تصبح عربية الفكر شيئًا يختلف كل الاختلاف عن عربية القرآن أو عربية اليوم وتصبح قراءة القرآن الكريم والتراث العربي الإسلامي كله متعذرة على غير المتخصصين من دارسي الآثار ومفسري الطلاسم .
... وقد كان تطور اللغات الأوروبية نكبة على أصحابه قطعهم أمما بعد أن كانوا أمة واحدة ، فما زالوا في خلاف وحروب ، ثم إنه لم يحكم على التراث القومي لكل شعب من هذه الشعوب بالموت حتى ما يستطيع الإنجليزي اليوم من عامة الشعب أن يفهم لغة شكسبير الذي مات في القرن السابع عشر ، أما نحن العرب فإننا نقرأ القرآن ، ونفهم رسائل الجاحظ ، فلا نكاد نحس فارقًا بين أسلوبه وأسلوب المعاصرين .
ثانيًا: هناك معركة العامية التي دعا إليها بعض الشعوبيين في إحدى البلاد العربية بقصد القضاء على وحدة الأمة تحت لواء الفصحى ، وهي الدعوة التي أفرزت شعر التفعيلة وقطرية الحداثة وإسقاط القافية ، وهي معركة خاسرة فقد ثبت أن الفصحى أطوع في التعبير من العاميات ، كذلك فنحن لسنا في حاجة إلى لغة دارجة ثالثة كحلقة وسطى بين العامية والفصحى ، وأخطر ما في هذا الاتجاه تبني اللهجات الدارجة والمحلية للمسرحيات والتمثيليات وما يسمى بالأدب الشعبي ، كذلك فإن الفجوة بين الفصحى واللهجة العامية ليست بهذه الصورة التي يحاول أعداء اللغة إظهارها بها ، وإن الخلاف بين عبارة الكتاب العلماء وبين عبارة العامة أمر مألوف في كل أمة وفي كل لغة حية .