إن أصحاب العقول يرفضون أن يُشَدَّ العالم إلى وراءَ، وأن تُوضَع قيود على حِراكه الفكري والحضاري. ولو كان الإسلام مسلكًا رجعيًّا، أو توقفًا حضاريًّا لرفضناه دينًا يَرقَى بأتباعه، بل دينٌ يَرقَى بالعالَمين.
لكنّ فقهاء الإسلام الحقيقيين قالوا: حيث تكون العدالة والرحمة فثَمّ شرع الله! حيث تكون الفضيلة والحرية والمصلحة فثَمّ شرع الله!
وماذا ينشُد الناس إلى آخر الدهر غيرَ هاتِيك الغايات؟
إن اختلاف الليل والنهار لن يَقلِب حقائق الأشياء. فإذا كانت الوحدانية صفة الله فإن هذه الصفة لن تتغير ولن تزول مهما اطَّرَدت مواكب الزمان.
وإذا كانت تبَعية الإنسان لربه حقًّا لا مَعدِلَ عنه، فإن تقدم الحضارة لن يَعنيَ أبدًا أن الإنسان استغنَى عن الله والصلاة له والضراعة إليه.
وقُلْ مِثْل ذلك في ميدان الأخلاق والعلاقات الإنسانية كلها.
ويوم ظن أهل الكتاب أن الدين عنوانٌ ومراسمُ وأوهامٌ مقدسة قيل لهم: كلاّ، الدين ارتباط بالله، وإحسان للعمل، ولن يُضام أحد أخلَص له قلبه، وأصلَح له عمله، واستقام على الطريق: (وقالوا لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان هُودًا أو نصارى تلكَ أمانيُّهم قل هاتُوا بُرهانَكم إن كنتم صادقين. بلَى مَن أَسلَمَ وَجهَه للهِ وهو مُحسِنٌ فله أجرُه عند ربِّه ولا خوفٌ عليهم ولا هم يَحزَنون) (البقرة: 111ـ112) .
لماذا لا تكون هذه الحقائق ختام الدين كله؟
رب العالمين يقول للناس في القارات المعمورة من أرضه: اتَّجِهوا إليَّ مخلِصين، وأحسِنوا كل عمل تُكَلَّفون به تَظفَروا بالأمن وتَنجُوا من الحزن وتكسِبوا الدنيا والآخرة.
ماذا بعد هذا الكلام؟ وماذا يقوله نبي آخر بعد محمد عليه الصلاة والسلام؟
على أن هناك شرائعَ تفصيليةً ترتبط بهذا الأصل ارتباط الشجرة بجِذعها، ولا يُقبَل الإهمال لهذه الشرائع الفرعية! غير أننا نَلفِت النظر إلى أمرين مهمين: